قال الدكتور يامن جمال الأسطل، الباحث الطبي المتخصص في تطور البكتيريا والمقاومة الجرثومية، إن ما يجري في مكب النفايات بمنطقة المواصي – القرارة يُشكّل تهديدًا مباشرًا للحياة والصحة العامة، ويتجاوز كونه انعكاسًا للفقر أو الحرمان، ليصل إلى مستوى كارثة صحية وبيئية مركّبة تُمارَس فيها عملية استنزاف بطيئة لأجساد الأطفال ومناعتهم وحياتهم.
وأوضح الأسطل (للرسالة ) أنه أجرى متابعة ميدانية مباشرة وتقييمًا طبيًا–بيئيًا شاملًا في الموقع صباح يوم الخميس الموافق 8 يناير، عند الساعة 7:30 صباحًا، حيث رصد وجود تجمعات كبيرة من الأطفال داخل مكب نفايات مفتوح، في تماس مباشر مع نفايات عضوية وطبية وصناعية، وفي ظل غياب كامل لأي إجراءات عزل أو حماية صحية أو رقابة بيئية.
وأشار إلى أنه وثّق مشاهد عالية الخطورة، من بينها طفل يتناول الطعام مباشرة من أكياس النفايات، فيما كان أطفال آخرون يتدافعون ويتقاتلون على الكيس ذاته، مؤكدًا أن هذه المشاهد لا يمكن تصنيفها كحالات فردية أو استثنائية، بل تمثل مؤشرًا سريريًا خطيرًا على دخول المجتمع في مرحلة الجوع القسري المرضي، وانهيار منظومة الأمن الغذائي والحماية الإنسانية بشكل شبه كامل.
وبيّن الأسطل أن الدوافع المباشرة لهذه السلوكيات الخطرة تتمثل في النقص الحاد في الغذاء، وانعدام غاز الطهي، وغياب مصادر الطاقة، وغياب شبكات الحماية الاجتماعية، ما يدفع الأطفال إلى نبش النفايات بحثًا عن بقايا طعام، وجمع البلاستيك والمخلفات الصناعية لإشعال النار، والتقاط ملابس وأقمشة ملوثة لستر أجسادهم، إضافة إلى العبث بالمخلفات الطبية دون إدراك للمخاطر الصحية الكامنة.
وحذّر من أن مكب النفايات يُعد بيئة مولِّدة للأوبئة، نتيجة تحلل المواد العضوية، وارتفاع الرطوبة، واختلاط النفايات المنزلية بالمخلفات الطبية، وغياب أي عمليات فرز أو تعقيم، ما يرفع احتمالية انتشار أمراض بكتيرية وفيروسية وطفيليات خطيرة، مؤكدًا أن سوء التغذية الحاد لدى الأطفال يضاعف شدة الإصابة، ويحوّل أمراضًا يمكن علاجها إلى حالات قاتلة.
وأكد الأسطل أن من أخطر ما تم رصده هو وجود مخلفات طبية وأدوية منتهية الصلاحية ومحاقن وإبر طبية داخل المكب، حيث شوهد أطفال يحملون هذه المواد ويلعبون بها ويفتحون عبواتها، ما يعرّضهم لتسممات دوائية حادة، وجروح ووخز إبر، وانتقال فيروسات وبكتيريا عبر الدم، إضافة إلى خطر التعرض لبكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية، وهو ما يشكّل تهديدًا صحيًا طويل الأمد.
وأضاف أن لجوء السكان إلى حرق البلاستيك كمصدر بديل للطهي بسبب انعدام غاز الطهي، يؤدي إلى انبعاث مواد شديدة السمية، من بينها الديوكسينات والفورانات والجسيمات الدقيقة، مشيرًا إلى أن التعرض المزمن لهذه المواد يرتبط طبيًا بارتفاع معدلات الربو وأمراض الجهاز التنفسي، وزيادة خطر الإصابة بالسرطان، والتأثيرات العصبية والهرمونية، وتأخر النمو البدني والعقلي لدى الأطفال، فضلًا عن تشوهات خلقية محتملة على المدى الطويل.
وشدد الأسطل على أن طفلًا يأكل من القمامة يُعد حالة طبية طارئة وفق المعايير الصحية الدولية، وأن تقاتل الأطفال على أكياس النفايات يعكس انهيارًا تامًا لمنظومة الحماية الإنسانية والاجتماعية، واصفًا مكب النفايات في المواصي–القرارة بأنه بيئة قتل بطيء وصامت، لا تقل خطرًا عن بؤر الأوبئة المفتوحة.
وختم حديثه بالتأكيد على أن ما يحدث في المنطقة ليس مشهد فقر عابر أو ظرفًا مؤقتًا، بل نمط مرضي ممنهج واستنزاف تدريجي للحياة، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع دون تدخل عاجل سيؤدي إلى تفشّي أوبئة واسعة النطاق وارتفاع معدلات الوفيات، خاصة بين الأطفال، داعيًا الجهات المعنية والمؤسسات الدولية والإنسانية إلى التحرك الفوري لإزالة مكب النفايات، وتوفير الغذاء والطاقة الآمنة، وتأمين حماية صحية عاجلة للأطفال والسكان المحيطين بالموقع.