في ظل استمرار سياسات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، تتعرض القرى والتجمعات البدوية لهجمات ممنهجة تشمل الهدم والترحيل القسري، ضمن مخطط يهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين وفرض الوقائع الاستيطانية.
وتواجه هذه المجتمعات تحديات حقيقية في الحفاظ على مساكنها وأراضيها، في ظل غياب حماية دولية فعّالة، ما يزيد من هشاشة الوضع الإنساني والاجتماعي للبدو ويهدد نمط حياتهم التقليدي القائم على الرعي والزراعة البسيطة.
وتشكل عمليات الهدم هذه جزءًا من استراتيجية أوسع لإضعاف صمود السكان، وتهدف إلى تغيير التركيبة الديمغرافية للضفة الغربية بشكل تدريجي، بما يعزز من السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.
سياسة ممنهجة
بدوره؛ قال عيد جهالين، المتحدث باسم سكان الخان الأحمر، إن ما يجري في القرى والتجمعات البدوية في الضفة الغربية ليس حوادث متفرقة، بل سياسة تهجير قسري ممنهجة تنفذها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بهدف تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، وربط المستوطنات ببعضها وفرض وقائع ديمغرافية وجغرافية جديدة.
وأوضح جهالين لـ"الرسالة نت"، أن السنوات الأخيرة، وخصوصًا منذ عام 2023 وحتى 2025، شهدت تصعيدًا غير مسبوق في عمليات الهدم والتهجير، حيث جرى تنفيذ أو إصدار أوامر هدم وإخلاء بحق أكثر من 30 تجمعًا بدويًا في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، تركز معظمها في المنطقة المصنفة (ج).
وأشار إلى أن عدد البدو المتضررين مباشرة من التهجير القسري يقدَّر بأكثر من 8 آلاف شخص، بينهم آلاف الأطفال والنساء وكبار السن، حُرموا من مساكنهم ومصادر رزقهم، وأُجبروا على العيش في ظروف إنسانية قاسية، دون بنية تحتية أو خدمات أساسية.
وبيّن جهالين أن من أبرز المناطق التي تعرضت لعمليات تهجير أو تضييق ممنهج: الخان الأحمر، وادي السيق، رأس التين، المعرجات، عين سامية، عرب المليحات، جبل البابا، أم الجمال، مسافر يطا، والأغوار الشمالية، حيث تتكرر عمليات الهدم والمصادرة ومنع البناء والرعي بشكل شبه يومي.
وأضاف أن الاحتلال نفذ خلال العامين الماضيين مئات عمليات الهدم للمنازل والخيام والحظائر وآبار المياه، مستهدفًا بشكل خاص مصادر عيش البدو، من خلال مصادرة الأراضي، ومنع الوصول إلى المراعي، وإغلاق الطرق، وملاحقة الرعاة، ما جعل الحياة اليومية شبه مستحيلة في هذه التجمعات.
وأكد جهالين أن الخان الأحمر يشكّل نموذجًا صارخًا لهذه السياسة، حيث يتعرض السكان منذ سنوات لتهديد دائم بالترحيل، ضمن مخطط استيطاني يهدف إلى ربط مستوطنات معاليه أدوميم بالقدس، وعزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها، وقطع التواصل الجغرافي في الضفة الغربية.
وأوضح أن الاحتلال يستخدم أدوات متعددة لدفع السكان إلى الرحيل القسري، من بينها الإخطارات العسكرية، والغرامات الباهظة، وحرمان التجمعات من المياه والكهرباء، ومنع المدارس المتنقلة، وملاحقة المتضامنين، إضافة إلى اعتداءات المستوطنين المتكررة بحماية الجيش.
وأشار جهالين إلى أن تهجير البدو لا يعني فقط فقدان المسكن، بل تدمير نمط حياة كامل قائم على الرعي والزراعة البسيطة، حيث يُحرم المهجّرون من الوصول إلى أراضيهم، وتتفكك العائلات، ويتسرب الأطفال من التعليم، وتزداد نسب الفقر والبطالة بشكل حاد.
وشدد على أن هذه السياسات تمثل جريمة تهجير قسري مكتملة الأركان بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، وترقى إلى جريمة حرب، خاصة أنها تستهدف سكانًا محميين وتقع في إطار مشروع استيطاني إحلالي.
ولفت جهالين إلى أن ما يجري في القرى البدوية هو جزء من مخطط أوسع يهدف إلى تفريغ المنطقة (ج) من الفلسطينيين، تمهيدًا لضمها فعليًا، مؤكدًا أن صمت المجتمع الدولي شجّع الاحتلال على المضي قدمًا في تنفيذ هذه السياسات دون رادع.
وختم المتحدث باسم سكان الخان الأحمر بتوجيه نداء عاجل إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمنظمات الحقوقية الدولية، مطالبًا بـتحرك فوري وفاعل لوقف عمليات التهجير، وتوفير حماية دولية للتجمعات البدوية، ومحاسبة الاحتلال على انتهاكاته، مؤكدًا أن سكان الخان الأحمر وبقية القرى البدوية سيبقون على أرضهم رغم كل محاولات الاقتلاع والتهجير.
وتيرة أعلى
من جهته؛ قال كريم جبران، المتحدث باسم سكان الخان الأحمر، إن 45 تجمعًا بدويًا في الضفة الغربية تعرض منذ السابع من أكتوبر الماضي لضغوط متواصلة من قبل سلطات الاحتلال والمستوطنين، أغلبها تمتد من منطقة الأغوار وصولًا إلى شرق رام الله.
وأوضح جبران، في تصريح خاص بـ"الرسالة نت"، أن عدد السكان المتضررين يقدّر بحوالي ألفي شخص تقريبًا، يعيشون في ظروف صعبة وسط تهديد مستمر بالهدم والترحيل.
وأشار إلى أن أغلب هذه التجمعات تتعرض لتهديد دائم من المستوطنين، مع تكثيف اعتداءاتهم وعمليات الملاحقة، فيما يُعتبر الخان الأحمر صامدًا حتى الآن رغم الضغوط المتواصلة، مؤكّدًا أن الاحتلال أقام بؤرة استيطانية جديدة بجوار الخان الأحمر بهدف زيادة الضغط على السكان ودفعهم إلى الرحيل.
وأضاف أن هناك بؤرًا جديدة تم إنشاؤها قبل عدة أشهر في مناطق قريبة من الخان الأحمر باتجاه أريحا، ومن المتوقع أن تشهد هذه المناطق مزيدًا من عمليات الضغط والتهجير خلال الفترة المقبلة.
وأشار جبران إلى أن الاحتلال لم يكتفِ بالتهديدات، بل قام أيضًا بـ هدم بعض المنازل وترحيل السكان، مع تحركات مكثفة من الجيش الإسرائيلي في محيط التجمعات البدوية.
وأكد أن الوتيرة الحالية لعمليات التهجير والهدم أعلى من السنوات السابقة، لكنها ما زالت ضمن نفس الاستراتيجية التي تعتمدها السلطات الإسرائيلية منذ سنوات ضد التجمعات البدوية في الضفة الغربية.
وبيّن أن هذه العمليات لا تستهدف فقط الخان الأحمر، بل تشمل عشرات التجمعات الأخرى في مناطق متفرقة من الضفة، بما يفرض ضغوطًا مستمرة على السكان ويحد من قدرتهم على الصمود.
وشدد جبران على أن السكان لا يزالون متمسكين بأرضهم، رغم كل محاولات الاحتلال لاقتلاعهم وتهجيرهم، مع التأكيد على أن صمودهم يمثل خطًا أساسيًا في مواجهة المخططات الاستيطانية.
وأضاف أن استمرار هذه السياسة يشكل تهديدًا مباشرًا لـ الهوية البدوية ونمط الحياة التقليدي لسكان التجمعات، ويزيد من هشاشة الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسر.
وختم المتحدث باسم سكان الخان الأحمر بالقول إن الضغط على هذه التجمعات يحتاج إلى تحرك دولي عاجل ووقوف المؤسسات الحقوقية إلى جانب السكان لوقف عمليات الهدم والترحيل، وضمان استمرار صمودهم في مواجهة سياسة الاحتلال التوسعية.