قائمة الموقع

مهندس الخطاب المقاوم.. سيرة أبو عبيدة الذي تردد صدى صوته في أرجاء العالم 

2026-01-12T07:41:00+02:00
مهندس الخطاب المقاوم.. سيرة أبو عبيدة الذي تردد صدى صوته في أرجاء العالم 
الرسالة نت- متابعة

كان صوتُه القوي وكلماته الحاسمة حدثًا ينتظره الملايين في فلسطين والعالم العربي؛ فحين كان يتحدث كانت المقاومة تتقدم في الوعي، ويضطرب العدو في الميدان. 

بلكنة الفلسطيني، وكوفيته الحمراء، وأدائه الواثق، تحوّل إلى واحد من أكثر الأصوات تأثيرًا في تاريخ الخطاب المقاوم الحديث، وصار مرجعًا إعلاميًا حتى لدى جمهور الاحتلال الذي كان ينتظر ظهوره لتأكيد الحقائق ومعرفة تطورات الميدان.

ذلك هو الشهيد القائد حذيفة سمير عبد الله الكحلوت (أبو إبراهيم) المكنّى بـ "أبو عبيدة" الناطق باسم كتائب القسام، وقائد الإعلام العسكري، ورمز الصوت الثوري الذي جمع بين البلاغة والموقف، وبين العقل الميداني والوعي الاستراتيجي، وبين القدرة على الصياغة والقدرة على إدارة توازنات معقدة في أوقات الحرب.

نشأة قرآنية وتكوين مبكر

ولد الشهيد في 11 فبراير 1985م في السعودية لعائلة فلسطينية محافظة هجّرها الاحتلال عن قرية نعليا عام 1948م، وعاد والده إلى قطاع غزة ليستقر في مخيم جباليا. 

منذ طفولته ظهر نبوغه وذكاؤه، وحفظ القرآن الكريم كاملاً في سن مبكرة، وتفوّق دراسيًا حتى حصل على الامتياز في الثانوية العامة.

ورغم أهليته لدراسة التخصصات العلمية، اختار العلم الشرعي فالتحق بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية بغزة، ثم نال الماجستير في أصول الدين، وكانت رسالته بعنوان: "الأرض المقدسة بين اليهودية والنصرانية والإسلام". 

تقدم لاحقًا لبرامج دكتوراه خارج فلسطين لكن الظروف الأمنية والحصار حالت دون إتمامها.

شخصية جامعة ومتصالحة مع رسالتها

تميّز الشهيد بحضور روحي وأخلاقي لافت؛ بارٌ بوالديه، ملتزمٌ بدينه، متواضعٌ مع من حوله، صاحب خلق رفيع، وبشاشة وجه تلازمه رغم أثقال المسؤولية، أحب الشعر واللغة العربية، وتمتع بقدرة لغوية وبلاغية منذ صغره، وصوتٍ جميل في تلاوة القرآن والنشيد.

كوّن أسرته عام 2005م، وحرص على تربية أبنائه على القرآن، وحمل هموم الناس وأصدقائه وجيرانه، كما شهد له كل من عرفه بأنه صادق، عطوف، وفيّ، ورصين في مواقفه.

من المسجد إلى الميدان

التحق الشهيد بصفوف حركة حماس في سنوات شبابه الأولى خلال انتفاضة الأقصى، وربّى عشرات الشباب على العقيدة والوعي وحب الوطن والجهاد. 

تدرّج في مواقع الحركة والدعوة والجهاد، وانضم لاحقًا إلى كتائب القسام وقاتل في صفوفها في شمال القطاع، وشارك في التصدي للتوغلات، وفي سلاح المدفعية، ورافق عددًا من الاستشهاديين في أيامهم الأخيرة.

قائد الإعلام العسكري

في عام 2004م انضم إلى منظومة الإعلام العسكري في مرحلة بنائها الأولى. وكان ظهوره الأول في مخيم جباليا خلال معركة "أيام الغضب". 

وعلى مدى عقدين بقي الصوت المعبر عن كتائب القسام، ورافق في مسيرته قادة رفيعي المستوى مثل أبو محمد الجعبري ومروان عيسى، وكان مقربًا من القائد محمد الضيف أبو خالد.

تدرّج في العمل من صياغة البيانات العسكرية وإحصاء العمليات إلى العمليات النفسية الموجهة، قبل أن يصبح نائب قائد الإعلام العسكري ثم قائده عام 2017م حتى استشهاده.

شهدت فترة قيادته نقلة نوعية في الأداء الإعلامي القسامي من حيث التخطيط، والرواية، والإنتاج، وإدارة الخطاب، وترسيخ الوعي، وهو ما ظهر في معركة طوفان الأقصى التي مثّلت ذروة الأداء الإعلامي المنظم للمقاومة.

خطاب الثورة وتوثيق اللحظة

صاغ أبو عبيدة خطاب المقاومة بلسان جامع بين العقيدة والشرع والسياسة والتاريخ والواقع. ارتكز على ثلاثة عناصر واضحة:

تثبيت الهوية الفلسطينية والإسلامية

إحراج العدو بوقائع ميدانية وحجج خطابية

منح شعبه الأمل واليقين والثقة في زمن القصف والمجازر

وتحوّلت كوفيته الحمراء ورمزية اللثام إلى امتداد لرموز المقاومة التاريخية مثل عماد عقل ويحيى عياش، وإلى جزء من الذاكرة البصرية للفلسطينيين في عصر بثّ المعارك على الهواء.

لم يكن جمهوره فلسطينيًا فقط؛ فخطابه وُلد عربيًا وإسلاميًا ووجد صداه لدى الأحرار حول العالم. وفي المقابل كان جمهور الاحتلال يتلقّاه كمرجع ميداني صادق بعد انكشاف الرواية الرسمية لقيادته، بل اعتمد كثير من الاسرائيليين على تعليماته للخروج من الملاجئ ومعرفة تطورات المعركة.

محاولات الاغتيال والرحيل

لاحق الاحتلال الشهيد وعائلته لسنوات، ونجا من محاولات اغتيال متعددة خلال معركة طوفان الأقصى، لكنه واصل خطابه رغم المخاطر.

وفي 30 أغسطس 2025 ارتقى إثر عملية اغتيال استهدفته مع زوجته وأبنائه ليان ومنة الله ويمان بعد مسيرة إعلامية وجهادية تركت أثرًا عميقًا في الوعي الفلسطيني.

ترك خلفه منظومة إعلامية مؤسسية تضم مئات المجاهدين الإعلاميين، وإرثًا استراتيجيًا في إدارة الرواية وتثبيت الثقة بالمقاومة، وبصمة سترافق الأجيال القادمة في فهم الصراع ووعي جدواه.

اخبار ذات صلة