قائمة الموقع

غزة: الإنفلونزا تتحوّل إلى قاتل صامت في ظل انهيار صحي وحصار خانق

2026-01-12T17:48:00+02:00
الرسالة نت - خاص

قبل أسبوعين فقط، بدأت معاناة سهى بارتفاع في درجة حرارتها وآلام شديدة في جسدها. ظنّت والدتها، كما يفعل كثيرون في قطاع غزة، أن الأمر لا يتجاوز إنفلونزا شتوية عابرة، خاصة في ظل شحّ الإمكانيات الطبية وصعوبة الوصول السريع إلى المستشفيات. بقيت سهى على هذه الحال ثلاثة أيام، إلى أن تدهورت حالتها الصحية بشكل مفاجئ، ما استدعى نقلها إلى المستشفى.

هناك، كشفت الفحوصات الطبية أن الفيروس تسبّب بتعطّل إحدى رئتيها، لتبدأ رحلة صراع قصيرة لكنها قاسية مع المرض. ورغم إعطائها المحاليل الطبية وخافضات الحرارة وبعض الأدوية المتوفرة، أخذ وضعها الصحي يزداد سوءًا، في ظل نقص حاد في العلاجات اللازمة. لاحقًا، وفي محاولة يائسة لإنقاذ نفسها، قررت سهى أن تمنح نفسها حقنة، ما أدى إلى تسمم في الدم، ولم تمضِ ساعات قليلة حتى فارقت الحياة، لتقع الفاجعة رغم صغر سنها.

قصة سهى ليست استثناءً في قطاع غزة، بل واحدة من عشرات الحالات التي تكشف كيف تحوّلت الإنفلونزا الموسمية من مرض يمكن السيطرة عليه، إلى تهديد مباشر للحياة، في ظل واقع صحي منهك وحصار خانق يمنع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية.

وفي حالة أخرى، وعلى أنقاض بيتهم المدمّر، المحاط بالشوادر التي لا تقي من برد الشتاء القارس، أُصيب أطفال وسام البراوي الثلاثة بإنفلونزا حادة. لم تحتمل أجسادهم الصغيرة قسوة البرد والرطوبة، ما اضطر العائلة إلى نقل أصغرهم، الذي لم يتجاوز عمره ستة أشهر، إلى المستشفى، إثر ارتفاع شديد في درجة حرارته ونقص خطير في مستوى الأكسجين.

وبعد مرور أسبوعين، عاد الطفل إلى البيت، إلا أن الخطر ما يزال يحدق بالعائلة، كما يقول الأب، في ظل تعرّض الجميع للإصابة بالفيروسات الشتوية، وسط نقص حاد في الأدوية التي يسمح الاحتلال بإدخالها إلى قطاع غزة. ويضيف: “نعيش في خيام، المطر لا يتوقف، والبرد قاسٍ، وأي مرض بسيط قد يتحول إلى كارثة”.

في ظل هذا الواقع، تحوّلت الإنفلونزا الموسمية إلى كارثة صحية متفاقمة تطال آلاف العائلات، تاركة وراءها إرهاقًا شديدًا، وآلامًا مستمرة، ومشاكل تنفسية غير مسبوقة، خاصة بين الأطفال وكبار السن. ويعاني سكان القطاع من سوء تغذية حاد وغياب أبسط مستلزمات التدفئة، بفعل الحرب الإسرائيلية المستمرة، ما جعل أي سعال أو ارتفاع في الحرارة احتمالًا حقيقيًا للإصابة بمضاعفات خطِرة.

ويرى نشطاء ومغردون أن المرض أصبح أكثر قابلية للتحوّل إلى مضاعفات خطيرة، خاصة مع حلول فصل الشتاء، مؤكدين أن الفيروس في غزة لم يعد مرضًا موسميًا عاديًا، بل تهديدًا للحياة، ليس بفعل قوته فقط، بل نتيجة الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية ومنع وصول الإمدادات الطبية. ويصف البعض الوضع بأنه “شبه إبادة على هيئة فيروس”، يحمل أعراضًا أشد وأطول من كورونا، في بيئة مدمّرة تشجع على انتشار العدوى، مثل الخيام المكتظة، والطين، والمطر، والبرد القارس.

من جهته، حذّر مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة، الطبيب محمد أبو سلمية، من تفشٍّ خطير لفيروسات تنفسية بين السكان، في ظل انهيار شبه كامل في المناعة العامة، نتيجة المجاعة والتجويع الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب الشلل الواسع الذي أصاب المنظومة الصحية.

وأوضح أبو سلمية أن القطاع يشهد انتشارًا لفيروسات تنفسية يُعتقد أنها سلالات متحورة من الإنفلونزا أو فيروس كورونا، تسببت بحالات وفاة وإصابات خطيرة، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن والنازحين، في ظل سوء تغذية حاد أضعف قدرة الأجسام على مقاومة الأمراض. 

ووصف الواقع الصحي في غزة بأنه “كارثي ومأساوي”، حيث تتقاطع آثار حرب الإبادة المستمرة مع تفشي الأوبئة، خاصة داخل مراكز الإيواء المكتظة التي تفتقر لأدنى مقومات الصحة العامة.

وأشار إلى أن المستشفيات والمرافق الصحية تعرّضت منذ بدء العدوان في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لتدمير واسع، فيما تعاني المنشآت التي ما تزال تعمل من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والمعدات الحيوية، ما أفقد المنظومة الصحية قدرتها على الاستجابة للحالات الطارئة. كما أكد أن القيود المشددة على إدخال الأدوية وأجهزة الفحص والتشخيص فاقمت العجز الصحي، محذرًا من تداعيات خطيرة تهدد حياة آلاف المرضى.

وفي سياق متصل، أعلن أبو سلمية عن وفاة أربعة أطفال منذ بداية فصل الشتاء نتيجة البرد القارس، في ظل انعدام وسائل التدفئة داخل خيام النازحين، لافتًا إلى أن المستشفيات تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، حيث تجاوزت نسبة إشغال الأسرة 150%، في وقت يتعذر فيه توفير اللقاحات الموسمية للفئات الأكثر هشاشة.

ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، لا تزال الأزمة الإنسانية في قطاع غزة تتفاقم، مع تنصل الاحتلال من التزاماته، خاصة ما يتعلق بفتح المعابر وإدخال المساعدات الطبية والغذائية بالكميات المتفق عليها. 

ووفق بيانات وزارة الصحة في غزة، بلغت نسبة العجز في الأدوية 52%، فيما وصلت نسبة العجز في المستهلكات الطبية إلى نحو 71%.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00