قائمة الموقع

غزة تختنق بالمجاري: انهيار الصرف الصحي يهدد الصحة العامة

2026-01-13T10:11:00+02:00
غزة تختنق بالمجاري: انهيار الصرف الصحي يهدد الصحة العامة
الرسالة نت- خاص

لم تعد أزمة مياه الصرف الصحي في مدينة غزة مرتبطةً بموسم الأمطار فحسب، بل تحولت إلى مشهد يومي ثابت؛ إذ باتت شوارع ومفترقات رئيسية في قلب المدينة تعجّ بالمياه العادمة على مدار الأيام، في دليل واضح على الانهيار شبه الكامل لشبكات الصرف الصحي وتعطّل محطات الضخ.

ويؤكد سكان أن المياه الملوثة لا تجف ولا تُصرَّف، بل تتجمع وتتمدد يومًا بعد يوم، ناشرة روائح كريهة، ومستقطبة الحشرات، ومعيقة حركة السير بشكل دائم.

معاناة يومية

يقول المواطن أبو العبد، أحد سكان شارع رئيسي في مدينة غزة:"نعيش وسط برك من المجاري منذ أسابيع، حتى في الأيام المشمسة لا تختفي المياه، وكأن المطر لم يعد شرطًا للغرق".

ويضيف أبو العبد، الذي يقطن بالقرب من مفترق بهلول بمدينة غزة:"الطريق إلى العمل أصبح رحلة معاناة يومية، نبحث عن حجارة أو أخشاب لنسير فوقها. مفترق بهلول، الذي كان أحد المفترقات الرئيسية، تحوّل إلى مكان موحل يصعب العبور منه. نعيش فوق المجاري حرفيًا، ولا نعود إلى منازلنا دون أن نكون ملوثين بالوحل والمياه العادمة، فضلًا عن الروائح التي لا تُحتمل فلك أن تتخيل الوضع وقت المطر ؟

وتعود أسباب هذه الأزمة إلى التدمير الواسع الذي طال شبكات الصرف الصحي ومحطات الضخ، إضافة إلى النقص الحاد في الوقود والمعدات اللازمة لتشغيل ما تبقى منها. ومع هطول الأمطار، تعجز الشبكات المتضررة عن تصريف المياه، فتطفح المجاري وتغمر الشوارع والمنازل المنخفضة والخيام.

وفي مخيمات النزوح، تتحول الخيام إلى جزر معزولة وسط برك من المياه العادمة.

يقول النازح أبو أنس:"هربنا من القصف، فوجدنا أنفسنا نغرق في المجاري. الخيمة لم تعد تحمينا لا من المطر ولا من المرض".

ويضيف:"أطفالي أُصيبوا بإسهال وحساسية جلدية، ولا توجد أدوية كافية، ولا نستطيع منعهم من الاقتراب من المياه لأنها تحيط بنا من كل اتجاه".

ويؤكد أن المياه العادمة تسببت في تلف الأمتعة القليلة المتبقية للعائلات، وزادت من معاناة الأطفال والنساء، في ظل غياب أي حلول طارئة.

كارثة صحية

الجانب الأخطر من الأزمة يتمثل في آثارها الصحية الجسيمة، حيث تنتشر أمراض معوية وجلدية وتنفسية نتيجة الاحتكاك المباشر بمياه الصرف الصحي الملوثة.

ويؤكد ذلك الدكتور بسّام أبو ناصر، استشاري طب الأسرة، محذرًا من المخاطر الصحية الخطيرة الناجمة عن انتشار مياه الصرف الصحي بين خيام النازحين، ومشيرًا إلى أن الأوضاع البيئية الحالية تشكّل تهديدًا مباشرًا على صحة الأطفال والنساء الحوامل على حدّ سواء.

وأوضح أبو ناصر أن معظم تجمعات الخيام تفتقر كليًا إلى شبكات صرف صحي منظمة، حيث تتداخل المياه العادمة بين الخيام، وفي بعض الأحيان تشترك عشرات الخيام في مجرى مياه واحد مكشوف، تتحول فيه مياه الاستخدام اليومي إلى برك ملوثة تسيل بين أماكن السكن.

وقال في حديث خاص لـ"الرسالة":"الأطفال يلعبون في هذه المياه الملوثة، فيما تضطر النساء، وبينهن حوامل، إلى المرور فوقها أو استخدامها في الغسل والتنظيف، ما يرفع بشكل كبير معدلات الإصابة بأمراض الجهاز الهضمي، مثل الالتهابات المعوية، والمغص الحاد، والديدان المعوية".

وأشار إلى أن غياب أدنى مقومات النظافة داخل الخيام، بحكم طبيعتها المؤقتة والمقامة على أراضٍ زراعية ملوثة أصلًا، يزيد من تفاقم الوضع الصحي، لافتًا إلى أن بعض هذه الأراضي تحتوي على ملوثات وبيئات حاضنة للطفيليات، ما يجعل انتقال العدوى أسرع وأكثر انتشارًا.

وبيّن أن انتشار الحمّامات البدائية والمرافق الصحية غير المؤهلة بين الخيام، إلى جانب الاكتظاظ السكاني، يساهم في توسيع دائرة التلوث، في ظل ضعف الوعي الصحي القسري الناتج عن ظروف النزوح.

وكشف أبو ناصر أن الأطباء رصدوا حالات إصابة مزمنة لدى أطفال لم تتخلص أجسامهم من الطفيليات لفترات طويلة، ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، مثل تضخم الكبد أو استيطان الطفيليات في الأمعاء أو البنكرياس، محذرًا من أن إهمال هذه الحالات قد يؤدي إلى انفجار الأكياس الطفيلية وتسرب السموم داخل الجسم، وهي مضاعفات قد تكون قاتلة.

وأضاف أن خطورة الوضع تتفاقم بسبب اختلاط المياه الملوثة بمياه يُعتقد خطأً أنها صالحة للاستخدام، حيث يتم أحيانًا غسل الأواني أو تخزين المياه قرب مجاري الصرف المكشوفة، ما يؤدي إلى تلوث المياه النظيفة دون إدراك، في ظل غياب أي رقابة صحية.

وختم أبو ناصر حديثه بالتأكيد على أن استمرار فتح مجاري الصرف بين الخيام يُشكّل "قنبلة صحية موقوتة"، داعيًا إلى تدخل عاجل لتأمين شبكات صرف مؤقتة وتحسين شروط النظافة، قبل تحوّل هذه الإصابات إلى أوبئة يصعب احتواؤها.

لا تتوفر إمكانيات

من جهته، قال متحدث بلدية غزة حسني مهنا إن البنية التحتية تعاني من انهيار واسع، خاصة بعد تدمير 7 من أصل 8 مضخات رئيسية لتصريف مياه الصرف الصحي، ما رفع نسبة العطل إلى نحو 90% في منظومة الضخ.

وأشار إلى أن قدرة تصريف مياه الأمطار عبر محطات الضخ والشبكات انخفضت بنسبة 80%، لافتًا إلى أن القدرة الحالية لا تتجاوز 20% فقط في أفضل الأحوال.

وأوضح مهنا أن طواقم البلدية تعمل اليوم بنحو 15% فقط من الآليات والمعدات التي كانت متوفرة قبل الحرب، ومعظمها متهالك ويحتاج إلى صيانة مستمرة، في وقت يتسبب فيه نقص الوقود بتقليص ساعات تشغيل المحطات والآليات الحيوية.

وأكد أن محدودية الإمكانيات تسهم بشكل مباشر في تفاقم معاناة النازحين والسكان، لا سيما في ظل الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، ما يعيق تصريف مياه الأمطار ويزيد من حدة الأزمة.

ولفت إلى أن امتزاج مياه الأمطار بالمياه العادمة أدى إلى انتشار الأمراض، ما يشكل تهديدًا صحيًا خطيرًا، خاصة في مراكز الإيواء والمناطق المكتظة.

وأكدت بلدية غزة حاجتها العاجلة إلى دعم فني وإنساني للحد من المخاطر الصحية والبيئية، والتخفيف من معاناة المواطنين، داعية إلى تدخل دولي عاجل يضمن إدخال الآليات الثقيلة والمتوسطة، ومعدات الصيانة، ومواد البناء، والوقود، إلى جانب توفير حلول إيواء آمنة تحمي آلاف العائلات التي تعيش في الخيام أو داخل مبانٍ مهددة بالانهيار.

في ظل هذا الواقع المتدهور، لم تعد أزمة مياه الصرف الصحي في غزة مجرد خلل خدمي عابر، بل تحولت إلى تهديد حقيقي للحياة والصحة العامة، خاصة في أوساط الأطفال والنساء وكبار السن.

ومع استمرار تدمير البنية التحتية، وشح الإمكانيات، وغياب التدخلات الطارئة، تبقى المجاري المفتوحة شاهدًا يوميًا على كارثة إنسانية وبيئية تتفاقم بصمت، وتنتظر تحركًا عاجلًا قبل أن تتحول إلى وباء يصعب السيطرة عليه.

اخبار ذات صلة