قائمة الموقع

إعلان سياسي للمرحلة الثانية وواقع دموي مع خروقات الاحتلال

2026-01-15T13:08:00+02:00
الرسالة نت - خاص


رغم الإعلان الأميركي عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تتواصل الخروقات الإسرائيلية بوتيرة متصاعدة، ما يثير تساؤلات جدية حول جدوى الاتفاق نفسه، وقدرته على حماية المدنيين، أو حتى تثبيت حد أدنى من الاستقرار الإنساني.

فبينما يفترض أن تمثل المرحلة الثانية مدخلا لتخفيف المعاناة وتهيئة الأجواء لمعالجات أوسع، تشير الوقائع الميدانية إلى مسار معاكس تماما.

إعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بشأن الانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق تزامن مع تصعيد إسرائيلي ميداني وإنساني، شمل عمليات قتل وقصف وتدمير، إلى جانب استمرار القيود المشددة على دخول المساعدات، ما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والواقع على الأرض في قطاع غزة.

لا التزام إسرائيلي

وفي هذا السياق، تؤكد بيانات رسمية فلسطينية وتقارير أممية أن الاحتلال لم يلتزم ببنود الاتفاق ولا بالبروتوكول الإنساني الملحق به، بل تعامل مع وقف إطلاق النار كغطاء لإدارة حرب منخفضة الوتيرة، تُبقي القطاع في حالة إنهاك دائم وتعمق الكارثة الإنسانية بدل احتوائها.
وكشف المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب 1244 خرقا جسيما لاتفاق وقف إطلاق النار خلال المرحلة الأولى فقط، الممتدة من 10 أكتوبر 2025 وحتى 15 يناير 2026، أي خلال 95 يوما.

وأسفرت هذه الخروقات عن 1760 شهيدا وجريحا ومعتقلا، في فترة يفترض أن يسود فيها وقف كامل لإطلاق النار.

وتنوعت الخروقات بين 402 جريمة إطلاق نار مباشر على المدنيين، و66 عملية توغل عسكري داخل المناطق السكنية، إضافة إلى 581 جريمة قصف واستهداف لمواطنين عُزل ومنازلهم، و195 جريمة نسف وتدمير لمبانٍ ومؤسسات مدنية، ما يعكس نمطا ممنهجا من الانتهاكات لا يمكن اعتباره حوادث فردية أو خروقات محدودة.

ووفق البيان، أسفرت هذه الانتهاكات عن استشهاد 449 مواطنا ممن وصلوا إلى المستشفيات، وإصابة 1246 آخرين، إلى جانب 50 حالة اعتقال غير قانوني، في خرق صارخ للقانون الدولي الإنساني ولجوهر الاتفاق.
وعلى الصعيد الإنساني، لم يقتصر خرق الاحتلال للاتفاق على الجانب العسكري، بل امتد بشكل واضح إلى ملف المساعدات.

إذ لم يلتزم الاحتلال بإدخال الحد الأدنى المتفق عليه من الشاحنات، حيث دخل إلى القطاع خلال المرحلة الأولى 24,611 شاحنة فقط من أصل 57 ألف شاحنة، بنسبة التزام لم تتجاوز 43%.

وبمتوسط يومي بلغ 259 شاحنة فقط بدلا من 600، استمر النقص الحاد في الغذاء والدواء والمياه والوقود.
وحتى المواد الغذائية التي سُمح بإدخالها، كانت في معظمها ذات قيمة غذائية متدنية، في حين مُنع إدخال المواد الأساسية الغنية، ما اعتبره البيان سياسة متعمدة لـهندسة التجويع والتعطيش.

أما الوقود، فقد شكّل أحد أخطر أوجه الانتهاك، إذ دخلت 601 شاحنة وقود فقط من أصل 4,750 شاحنة يفترض إدخالها، بنسبة التزام لا تتجاوز 12%، ما أبقى المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي في حالة شبه شلل.

وفي ملف الإيواء، واصل الاحتلال إغلاق المعابر ومنع إدخال الكرفانات ومواد الإيواء، رغم التحذيرات المتكررة من تفاقم الكارثة الإنسانية، خاصة مع دخول فصل الشتاء.

وأسفر ذلك عن انهيار أكثر من 50 مبنى متضرر، ما أدى إلى استشهاد وإصابة عشرات المواطنين الذين لجأوا إليها بعد تدمير منازلهم.

كما سُجلت وفيات بسبب البرد الشديد داخل خيام النازحين، في وقت خرجت فيه أكثر من 127 ألف خيمة عن الخدمة، ولم تعد صالحة لحماية أكثر من 1.5 مليون نازح، يعيشون في ظروف بالغة القسوة.

تصعيد ورسائل سياسية

بدورها، أكدت حركة حماس أن الاحتلال وسع من خروقاته للاتفاق، خاصة في جنوب القطاع، حيث أعلن المتحدث باسم الحركة حازم قاسم أن إسرائيل تجاوزت الخط الأصفر في خان يونس، ما يعني مزيدا من التهجير، إلى جانب تصعيد عمليات نسف المنازل شرق القطاع، في سياق "الإبادة العمرانية والتطهير العرقي".
وأشار قاسم إلى استمرار إغلاق معبر رفح وتقييد دخول المساعدات، في مخالفة صريحة لنصوص الاتفاق.

من جهته، قال المفوض العام لوكالة “أونروا” فيليب لازاريني إن مرور ثلاثة أشهر على وقف إطلاق النار لم ينعكس تحسنا حقيقيا في حياة السكان، مؤكدا أن المساعدات لا تزال دون المستوى المطلوب، وأن الناس يعيشون بين الأنقاض وفي ملاجئ غير آمنة.

وأوضح لازاريني أن الخيام لا توفر الحماية من البرد والأمطار، وأن السكان "محرومون من كل شيء تقريبا"، مشددا على أن الظروف المناخية القاسية تضاعف معاناة سكان أنهكتهم حرب استمرت عامين.

وتكشف هذه المعطيات أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق يجري في ظل واقع ميداني وإنساني يتناقض كليا مع مفهوم وقف إطلاق النار. فالاحتلال لا يتعامل مع الاتفاق كالتزام قانوني وأخلاقي، بل كأداة لإدارة الصراع وإدامة الضغط على السكان المدنيين.

ومع استمرار الخروقات، يبدو أن أي حديث عن تهدئة مستدامة أو تحسن إنساني سيبقى مجرد إعلان سياسي، ما لم يُقترن بإجراءات فعلية تضمن حماية الغزيين وفتح المعابر وإنهاء سياسة التجويع والعقاب الجماعي في قطاع غزة.

اخبار ذات صلة