أنعش الإعلان عن تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، وعقد أول اجتماعاتها في القاهرة، آمالا واسعة بتحريك حالة الجمود السياسي والاقتصادي التي خيّمت على ملف غزة، لا سيما فيما يتعلق بإعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الإنسانية.
يأتي ذلك في ظل حرب طويلة الأمد خلفت دمارا غير مسبوق وعطلت أي أفق حقيقي للتعافي، وسط عراقيل إسرائيلية حالت دون انعقاد مؤتمر إعادة الإعمار الذي كان مقررا عقده في القاهرة نهاية العام الماضي.
ويمثل تشكيل اللجنة تطورا سياسيا لافتا، كونها تحظى بقبول إقليمي ودولي ومباركة أميركية، إلى جانب عدم اعتراض إسرائيلي مباشر، وهو ما لم يتوافر في تجارب سابقة لإدارة القطاع.
هذا الغطاء النسبي يمنح اللجنة هامش حركة أولي، وإن كان محدودا، للعمل في بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات الأمنية والسياسية، في ظل تشاؤم شعبي واسع بعد أكثر من عامين من الحرب والانهيار الاقتصادي.
آمال وواقع صعب
غير أن الآمال المعقودة على اللجنة تصطدم بواقع بالغ القسوة؛ فغزة اليوم تقف على حافة كارثة إنسانية واقتصادية شاملة، مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات قياسية، واعتماد الغالبية الساحقة من السكان على المساعدات.
ولذلك، لا ينظر إلى لجنة التكنوقراط كحل سحري، بل كاختبار عملي لإمكانية إدارة الحد الأدنى من الحياة وفتح ثغرة في جدار الحصار والشلل المستمر.
ويواجه عمل لجنة التكنوقراط جملة من العقبات المعقدة، في مقدمتها استمرار الحرب بأشكال مختلفة، والحصار الاقتصادي الخانق والتعنّت الإسرائيلي في تنفيذ الالتزامات الإنسانية.
ويرى مختصون أن تجاوز هذه التحديات لن يكون سهلا، خاصة في ظل غياب سيادة فلسطينية فعلية على الأرض، وبقاء المعابر والحدود تحت السيطرة الإسرائيلية.
ويعد ملف الإغاثة الإنسانية، ولا سيما المأوى، التحدي الأكثر إلحاحا أمام اللجنة، فدمار أكثر من 85% من المنازل جعل مئات آلاف العائلات بلا مأوى، ما يفرض ضرورة إدخال آلاف الوحدات السكنية المتنقلة بشكل عاجل.
وقد أعلن رئيس اللجنة علي شعث أن الخطة الأولية تشمل توريد وتركيب 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع، وهي خطوة إذا ما نُفذت فعليا خلال الأسابيع المقبلة، فستُشكل أول إنجاز ملموس للجنة.
ويشكل ملف المساعدات عبئا ثقيلا على عمل اللجنة، في ظل اعتماد أكثر من 95% من أسر غزة عليها بشكل كامل.
ورغم الاتفاقات المعلنة، لا تلتزم إسرائيل بإدخال الكميات المتفق عليها، إذ يدخل يوميا ما بين 200 إلى 250 شاحنة فقط، معظمها تجارية، بينما لا تتجاوز شاحنات المساعدات الفعلية 50 إلى 70 شاحنة، مقارنة بالحاجة الفعلية المقدّرة بنحو 600 شاحنة يوميا.
ولا تقتصر الأزمة على إدخال المساعدات، بل تمتد إلى آليات توزيعها، حيث تعاني من غياب نظام عادل وموحد، ما أدى إلى حصول بعض الأسر على مساعدات متكررة، مقابل حرمان أسر أخرى لأشهر طويلة.
وتبرز هنا أهمية بناء قاعدة بيانات دقيقة وشفافة، تُدار بمهنية، وتضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها بعيدًا عن الفوضى أو المحاباة.
المعابر وحرية الحركة
ويمثل ملف المعابر، وعلى رأسها معبر رفح، أحد الاختبارات الجوهرية لعمل اللجنة. فآلاف الجرحى والمرضى والطلاب والعالقين ينتظرون فرصة للخروج، في ظل إغلاق شبه دائم، وغياب آليات واضحة لتنظيم السفر. وقد سُجلت حالات ابتزاز مالي وصلت إلى خمسة آلاف دولار للفرد، ما يحوّل المعاناة الإنسانية إلى سوق سوداء.
ويتطلب هذا الملف تنسيقا مكثفا مع مصر والوسطاء الدوليين، ووضع نظام شفاف وعادل لإدارة حركة السفر، بما يحفظ كرامة المواطنين، ويمنع الاستغلال، ويعيد للمعبر دوره الإنساني الطبيعي.
واقتصاديا، تقف اللجنة أمام واقع كارثي؛ فقد ارتفعت نسبة البطالة من 45% قبل الحرب إلى نحو 80% حاليا، فيما تجاوزت معدلات الفقر 90%.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي إلى أن احتياجات إعادة الإعمار تتجاوز 52 مليار دولار، في وقت ما زالت فيه الرؤية الإسرائيلية تميل إلى إعمار جزئي يخدم اعتبارات أمنية، لا تنموية.
وتجدر الإشارة إلى أن إنشاء صندوق مالي خاص بإشراف البنك الدولي لتمويل الإعمار والإغاثة يعد خطوة مهمة، لكنه يبقى غير كافٍ دون فتح المعابر، وضمان تدفق المواد، ووجود إرادة سياسية دولية تضغط باتجاه إعادة إعمار شاملة لا مجتزأة.
وفي المرحلة المقبلة، ينتظر من لجنة التكنوقراط التركيز على أولويات واضحة، تتمثل في تحسين الوضع الإنساني المعيشي وتنظيم ملف المساعدات وإطلاق مشاريع إيواء عاجلة وتحريك مسار الإعمار المبكر.
كما يُعوّل عليها في خلق حالة استقرار إداري، تمهّد لمسار سياسي أوسع يبدأ بإنهاء الانقسام ويقود إلى وحدة وطنية شاملة.
ولذلك تقف لجنة التكنوقراط أمام مسؤوليات جسيمة في واقع إنساني واقتصادي لا يحسد عليه. نجاحها أو فشلها لن يقاس بالتصريحات، بل بقدرتها على إحداث فرق ملموس في حياة الناس، وانتشال غزة من إدارة الأزمة إلى أفق التعافي، ولو بالحد الأدنى الممكن.