غزة بين قصفٍ لا يرحم وشتاءٍ يقتل ..خمسة شهداء وطفولة تختنق في البرد

غزة بين قصفٍ لا يرحم وشتاءٍ يقتل ..خمسة شهداء وطفولة تختنق في البرد
غزة بين قصفٍ لا يرحم وشتاءٍ يقتل ..خمسة شهداء وطفولة تختنق في البرد

الرسالة نت- خاص

ليلة تُوصف بأنها الأبرد منذ دخول فصل الشتاء، حتى صار الصقيع سكينًا بطيئًا يمرّ على الأجساد العارية من كل شيء، إلا الخوف.

يقول محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، إن البرودة بلغت حدًا لم تعد فيه الأقدام تُحسّ، فكيف بأجساد الرُّضّع؟ كيف بمرضى يتنفسون بصعوبة داخل خيام مهترئة لا ترد مطرًا ولا تمنح دفئًا؟ 

تحذيره لم يكن إنشائيًا ولا مجازيًا، بل نداء أخير: إذا استمر هذا المنخفض، واستمر هذا الواقع الإنساني المنهار، فإن وفيات الأطفال بسبب البرد ليست احتمالًا… بل مسألة وقت.

وفي الوقت الذي كان الناس فيه يحاولون إشعال نار صغيرة أو ضمّ أطفالهم إلى صدورهم، كانت خروقات الاحتلال تزيد الليل وحشية.
آليات الاحتلال تواصل إطلاق النار شرق جباليا، كأن الرصاص جزء من العاصفة. 

في جحر الديك شرق القطاع، عمليات نسف تهزّ الأرض، فتتساقط الجدران كما تتساقط الأوهام بأن الليل سيمرّ بسلام. شمال شرقي مخيم البريج، تُنسف مبانٍ سكنية، فيما تُسجَّل إصابات بالرصاص شرقي خان يونس ومخيم البريج، أجساد تنزف في برد لا يرحم.

في رفح، كادت خيمة أن تتحول إلى قبر جماعي، لولا أن طواقم الدفاع المدني أزالت خطر جدار سقط على خيام النازحين قرب مسجد مطر. نجوا هذه المرة، لكن النجاة هنا مؤقتة، ومؤجلة حتى قذيفة أخرى أو موجة برد أشد.

في غزة، البرد ليس طبيعيًا، لأنه يأتي فوق جوع، وحصار، وقصف.

والاحتلال لا يكتفي بالنار، بل يترك الناس عُزّلًا أمام الشتاء، بلا بيوت، بلا نوافذ، بلا بطانيات كافية.

هنا، تتكامل بشاعة المشهد: مدفعية من جهة، وصقيع من جهة أخرى، وبينهما أطفال يرتجفون، وأمهات يعدّدن أنفاسهم بدل أن يعدن ساعات الليل.

إنها ليلة يُختبر فيها معنى الإنسانية.ليلة يُقتل فيها الدفء، ويُستباح النوم، ويصبح البرد خرقًا آخر، لا يقل فتكًا عن الرصاص.

وحسب الأرقام فإنه في غضون الفترة من 1 يناير حتى 20 يناير 2026، استمرّ القصف الإسرائيلي في غزة بقتل وإصابة المدنيين بلا توقف، آخرهم خمسة شهداء أعلنت عنهم وزارة الصحة هذا الصباح  وسط عجز كامل عن حماية السكان. 

وفق وزارة الصحة في غزة، بلغ عدد شهداء العدوان منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023 حتى 20 يناير 2026 حوالي 71,551 شهيدًا، بينهم شهداء سقطوا خلال هذه الفترة، بينما تجاوز عدد الإصابات 171,372 إصابة. وفي ظل استمرار الاعتداءات بعد وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر 2025، سجّلت الإحصاءات نحو 466 شهيدًا إضافيًا حتى 20 يناير 2026. 

وفي الوقت نفسه، ومع اقتراب الشتاء من ذروته، تحوّل البرد القارس إلى قاتلٍ آخر؛ إذ تشير تقارير صحفية إلى أن عدد الوفيات الناتجة عن البرد في الشتاء الجاري يتراوح بين 9 و24 حالة، أغلبهم أطفال، ما يبرز حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة، حيث لا يقتصر الموت على القصف، بل يمتد إلى البرد والجوع ونقص المأوى والطبابة؛ وهكذا هي حياة غزة.

في مئة يومٍ من الهدنة المعلنة، لم يكن السلام أكثر من كلمةٍ على ورق. فقد خرق الاحتلال هذه الهدنة ١٣٠٠ مرة، كأنها مجرد رقمٍ يُسجّل في سجلات الخيانة. ومع كل خرق، كان الموت يطرق أبواب البيوت، ويُسقط أرواحًا كانت تظن أنها ستنجو من رصاصٍ متوقفٍ مؤقتًا.

وحتى اليوم، ارتقى في سماء غزة أكثر من ٤٥٠ شهيدًا، منذ إعلان وقف إطلاق النار .

 لقد ظلّت الحكاية تُكتب بدمٍ ووجع، بينما تظل الكلمات عاجزة عن وصف حجم الخسارة، وعن تقديم معنىً لوعودٍ تتهاوى .

في هذه الأيام، لم يعد السؤال “هل سينتهي القصف؟” بل صار السؤال “كم من روحٍ ستُسرق من الحياة قبل أن تُعاد إلى الهدنة اسمها الحقيقي.. الموت”.