معند.دوار بني سهيلة شرق مدينة خان يونس، ظنّت العائلات أن الهدوء الذي أعلنته الهدنة سيمنحهم فرصةً بسيطةً ليتنفسوا.
كان معتصم بالله الشرافي، الطفل الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة، يحمل اسمه كدعوة للأمان والرجاء، فالحياة لم تُرِده سوى أن يعيش ببساطة.
لكن في لحظةٍ واحدة، تغيّر كل شيء. انفجر صوت الرصاص كأنه لا يعترف بوجود بشر، ورصاصةٌ اخترقت رقبة معتصم، لتسقط روحه قبل أن تتاح له فرصة العودة إلى الحياة. سقط الطفل على الأرض، وسقط معه كل شيء في البيت: الأمل، والسكينة، والهدنة.
هرع الأب نحوه، يحمل جسده الثقيل فوق يديه، وصرخ في وجه السماء والرصاص والكون: “بأي ذنب؟ بأي ذنب؟” كرّرها عشرات المرات، وكأن الصراخ وحده قادر على استرجاع ابنه.
أما الأم، فكانت تتألم في صمتٍ لا يطاق، تمسك بعربة الطفل التي ستنقل جسده إلى مثواه الأخير، وتصرخ وهي تتشبث به: “اتركوه معي… اتركوه معي!” كأنها تريد أن تعيد الزمن، تريد أن تسترجع لحظةً واحدة قبل أن يُسرق منها طفلها.
اجتمع الفريق الطبي حولهم، يحاولون سحب الولد من بين أيديهم، وهم لا يريدون فراقه، بينما كان قلب الأب يصرخ في وجه كل شيء: لماذا؟
وفي هذا الصباح، لم يكن معتصم الوحيد. ففي اختراق جديد لوقف إطلاق النار، سقط ثلاثة أطفال شهداء في شرق خان يونس، وبقيت الدماء شاهدةً على كذب الهدنة وعلى استمرارية القصف.
منذ إعلان وقف إطلاق النار، رُصدت ١٣٠٠ خرق، وكأن الهدنة كانت مجرد ورقة تُمزّق كلما أراد الاحتلال لها ذلك. ومع كل خرق، ارتفعت أعداد الشهداء، حتى وصل عددهم إلى أكثر من ٤٥٠ شهيدًا في ١٠٠ يوم، بينهم أطفالٌ لم يعرفوا معنى الحياة إلا من خلال أصوات الرصاص والدم.
في كل مرة يُسجّل فيها رقم خرق جديد، كان هناك بيتٌ ينهار، وطفلٌ يُدفن، وأمٌ تُصرخ باسم ابنها الذي لم يطلب سوى أن يعيش. وها هو اسم معتصم بالله الشرافي يضاف إلى قائمة لا تنتهي من الأسماء، اسمٌ صغيرٌ، لكنه يحمل في نفسه معنىً كبيرًا: لقد أصبت الحياة في غزة تقس بعدد الأطفال اللذين يقتلون كل صباح على عتبات هدنة كاذبة.