قائمة الموقع

نسيم الرضيع .. هدايا مطرّزة بالخيط والغياب

2026-01-24T09:26:00+02:00
الرسالة نت - خاص

لم يكن نسيم الرضيع يحلم بالكثير وهو في زنزانته. لم يحلم بالحرية بمعناها الكبير، ولا بسماء مفتوحة أو بحر غزة الذي اشتاق له، بل حلم بسيط حدّ الوجع: أن يرى عائلته فقط. 

اعتقله الاحتلال من منزله في قطاع غزة مع بداية حرب الإبادة، ومضى عامان كاملان وهو يعدّ الأيام لا بالتقويم، بل بالشوق والانتظار.

في سجون الاحتلال، حيث يقبع اليوم أكثر من 2900 أسير من قطاع غزة ضمن ما يزيد عن 10,000 أسير فلسطيني، يعيش الأسرى واقعًا قاسيًا يفتقر إلى أبسط مقومات الإنسانية. اعتقالات تعسفية، احتجاز دون محاكمة، اكتظاظ خانق داخل الزنازين، نقص حاد في الغذاء والماء، وحرمان متواصل من الرعاية الطبية.

 وثّقت المؤسسات الحقوقية وفاة عشرات الأسرى نتيجة التعذيب والإهمال الطبي، فيما تعرّض آخرون للاختفاء القسري لأشهر طويلة دون معرفة مصيرهم. هذا الواقع لم يكن استثناءً في حياة نسيم، بل جزءًا يوميًا من معركته للبقاء.

داخل الزنزانة، لم يكن هناك أقلام ولا أوراق. ومع ذلك، رفض الأسرى أن تصمت قلوبهم. نزعوا قطع قماش من ملابسهم المهترئة، وبردوا سلكًا نحاسيًا حتى صار إبرة، وسحبوا خيوطًا واهنة من أطراف ثيابهم.

 بالخيط والإبرة كتبوا ما عجز الصوت عن قوله: أسماء أحبّتهم، تواريخ، قلوب صغيرة، ورسائل شوق مطرّزة بالصبر.
نسيم كان واحدًا منهم. طرّز لوالدته قلوبًا كثيرة، وكأنه يخشى أن لا تكفي.
كتب اسم والده مرارًا.وحلم أن يخرج بتلك القطع القماشية إلى زوجته وأطفاله الثلاثة، هدايا بسيطة لكنها محمّلة بعامين من الاشتياق. 

كان يقول: “ابنتي صبا كانت تزحف حين اعتُقلت، واليوم صارت تمشي وتلعب وتضحك.” احتفظ بالقطع بعناية، خبّأها كمن يخبّئ عمره.

وحين خرج نسيم من السجن، وصل إلى مستشفى ناصر، يحمل تلك القطع المطرّزة ككنز صغير. كان يبحث عن الوجوه التي كتب أسماءها بالخيط، عن الأصوات التي عاش عليها في ليله الطويل. هناك، سقط كل شيء دفعة واحدة. الفاجعة كانت كاملة. عائلته كلّها استُشهدت.
لم يبقَ له إلا ابنته سما… وذاكرة مثقلة بالفقد.

اليوم، يحمل نسيم سما، ذات الأعوام الثلاثة، ويشدّها إلى صدره. لا تكاد تفارقه، كأنه يخاف أن يخسرها كما خسر كل شيء. يطعمها بيديه، يلفّها بغطاء دافئ، ويبتسم لها كثيرًا، كأنه يحرس آخر ما تبقّى له من العالم. سما هي الناجية الوحيدة، أما الهدايا، فما زالت قطع قماش صامتة، مطرّزة بالخيط والغياب، تشهد على أسير خرج حيًّا من السجن… ليكتشف أن من كان ينتظرهم، لم يعودوا موجودين.

اخبار ذات صلة