لم تعد مهنة رفع الركام في قطاع غزة حكرًا على الجرافات والآليات الثقيلة؛ فمع استمرار الحرب وتدمير الأحياء السكنية، وغياب المعدات، وندرة فرص العمل، استحدث الغزيون مهنة قاسية تتمثل في إزالة الركام باليدين مقابل أجر يومي يساعدهم على سدّ رمق عائلاتهم.
وسط أحياء مدمّرة وبنايات متصدعة، يعمل شبّان بأدوات بدائية على تفكيك الركام يدويًا بحثًا عن طريق مفتوح أو مساحة لإقامة خيمة، في مشهد يلخّص قسوة الواقع الاقتصادي والإنساني الذي يعيشه القطاع. فأصبحت المطارق والمجارف وعربات الجرّ اليدوية أدوات عمل يومية، يحلّ بها هؤلاء العمال محلّ الآليات الثقيلة الغائبة عن الميدان.
خطر يومي مقابل قوت العائلة
لا تقتصر مخاطر هذه المهنة على الجهد البدني الشاق، بل تمتد إلى تهديد مباشر للحياة؛ فكثيرًا ما يضطر العمال إلى الصعود إلى طوابق مدمّرة أو شبه منهارة، معرضين أنفسهم لاحتمال السقوط أو انهيار أجزاء متبقية من المباني. كما تُسجَّل إصابات متفاوتة بين كسور وجروح عميقة، في ظل غياب وسائل السلامة أو التأمين الصحي.
يقول محمود (29 عامًا)، وهو أب لطفلين، إنه لم يتخيّل يومًا أن تصبح إزالة الركام مهنته اليومية: “كنت أعمل في ورشة حدادة قبل الحرب، لكن الورشة دُمّرت بالكامل. لم يبقَ أمامي أي خيار. أخرج كل صباح لأبحث عن عمل، وإن لم أجد سوى الركام أعمل فيه، فالجوع أخطر من التعب”.
ويوضح محمود أن أخطر ما يواجهه هو الصعود إلى طوابق مهددة بالانهيار: “نصعد أحيانًا إلى الطابق الثالث أو الرابع، وكل شيء متصدع. لا نعرف إن كنا سنعود سالمين أم لا، لكننا نغامر من أجل أطفالنا”.
إلى جانب ذلك، يشكّل غبار الردم خطرًا صحيًا صامتًا، إذ يعاني العديد من العمال من أمراض صدرية ومشكلات تنفسية نتيجة الاستنشاق المتواصل للأتربة والمواد الإسمنتية، دون كمامات واقية أو تجهيزات طبية مناسبة.
ويؤكد أحمد (34 عامًا)، الذي يعاني من ضيق في التنفس، أن الغبار بات جزءًا من يومه: “نعمل دون كمامات أو أدوات حماية. غبار الإسمنت يدخل صدورنا طوال اليوم. أشعر بألم دائم في صدري، لكنني لا أستطيع التوقف، فليس لديّ مصدر دخل آخر”.
حاجة السكان تفرض استمرار المهنة
في أحد الأحياء الشرقية لمدينة غزة، يعمل محمود (19 عامًا) مع مجموعة من الشبان دون أي أدوات حماية: “أيدينا مجروحة، وصدورنا مليئة بالغبار، نعرّض حياتنا للخطر، لكن لا خيارات بديلة في ظل البطالة وقلة فرص العمل”.
ترك محمود جامعته بعد انقطاع التعليم ونزوح عائلته، وأصبح المعيل الوحيد لأمه وإخوته.
ولم يكن الدافع للعمل في هذا المجال ماديًا فقط، بل فرضته أيضًا حاجة السكان الملحّة لإزالة الركام المتدلّي عن المباني خشية سقوطه على المارة أو السكان، خاصة مع اشتداد الرياح وهطول الأمطار.
ومع النقص الحاد في المنازل المتوافرة للإيجار وارتفاع أسعارها إلى مستويات تفوق قدرة معظم الفلسطينيين، لجأ الأهالي إلى هذه الفرق اليدوية لتفريغ غرف ما تزال صالحة جزئيًا للسكن، على أمل ترميمها والانتقال إليها بدلًا من العيش القاسي في الخيام.
فتعمل العائلات على تنظيف ما تبقّى من بيوتها وتغليفها بشوادر بلاستيكية لتوفير مأوى مؤقت يحميهم من البرد والمطر.
غياب الآليات يضاعف المعاناة
ساهم النقص الحاد في الإمكانيات والآليات لدى البلديات والدفاع المدني في تعزيز انتشار هذه المهنة الخطرة. فمع عجز الجهات الرسمية عن تنفيذ عمليات إزالة الركام على نطاق واسع، باتت المسؤولية تُلقى على عاتق الأفراد، الذين يضطرون إلى تكسير الأعمدة الخرسانية المتبقية يدويًا وأداء مهام يُفترض أن تقوم بها جرافات ومعدات ثقيلة.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب خلّفت أكثر من 61.5 مليون طن من الركام في غزة، أي ما يعادل نحو 169 كيلوغرامًا من الأنقاض لكل متر مربع من مساحة القطاع، ويمثل دمارًا في نحو 193 ألف مبنى.
فيما تقدّر بعض الجهات الحكومية أن كمية الأنقاض قد تتراوح بين 65 و70 مليون طن، مع استمرار التراكم بمرور الوقت، ما يزيد الحاجة إلى جهود إزالة ضخمة.
ورغم كل المخاطر، يواصل هؤلاء الشبان عملهم يومًا بعد يوم، مدفوعين بالحاجة إلى تأمين قوت أطفالهم، في واقع لا يوفّر لهم أي ضمانات أو حماية. إنها مهنة وُلدت من رحم الحرب، تعكس حجم الكارثة الإنسانية في غزة، وتكشف كيف تحوّل الركام من أثر للدمار إلى مصدر رزق محفوف بالمخاطر.