يامن النجار شاب يبلغ من العمر 17 عامًا، لا يبدو عليه الوهن للوهلة الأولى. جسده ليس نحيلًا، ملامحه شابة، ووقفته توحي بالقوة، لكن ما يختبئ داخله هو مرض غامض بلا تشخيص، وحياة معلّقة بين الانتظار والخوف.
بدأت قصة يامن مع المأساة حين كان في السابعة من عمره. في إحدى الليالي، استيقظت والدته على مشهدٍ لن تنساه ما حيَت؛ دماؤه كانت قد أغرقت وسادته. نزيف حاد من الأنف والفم، انخفاض شديد في ضغط الدم، وتراجع في درجة حرارة الجسد. حملته مذعورة إلى المستشفى، لتبدأ رحلة طويلة من الفحوصات الشاملة التي لم تُفضِ إلى إجابة.
نُقل يامن للعلاج في مدينة رام الله قبل الحرب، ووُضع تحت المراقبة الطبية المستمرة. لم يتمكن الأطباء من تشخيص حالته، ولم يعرف أحد لماذا يتكرر النزيف، ولماذا يتعامل جسده بحساسية مفرطة مع أي إجهاد أو تغير صحي.
ثم جاءت حرب الإبادة، لتضيف مأساة أخرى إلى حياة لم تعرف الاستقرار. انقسمت العائلة قسرًا؛ يامن ووالدته بقيا في رام الله، بينما بقي والده وأشقاؤه الثلاثة في غزة. عامان من الانفصال، وعامان من الانتظار القاتل.
داخل غرفة صغيرة تحوّلت إلى مرسم، يقضي يامن ساعات يومه الطويلة. يرسم كثيرًا، كأنه يحاول أن يملأ الفراغ أو يهرب من القلق. لوحاته كانت نافذته الوحيدة للعالم، ووسيلته الوحيدة لاحتمال الألم. شارك في معارض فنية داخل فلسطين وخارجها، ووصلت رسوماته إلى نيويورك، لكن كل هذا لم يكن يعني لوالدته شيئًا أمام سؤال واحد: كيف أنقذ صحة ابني؟
ورغم صدور إقرار من منظمة الصحة العالمية بتحويل يامن للعلاج في الولايات المتحدة، تصرّ سلطات الاحتلال (الإسرائيلي) على إعادته إلى قطاع غزة.
قرار تصفه والدته بالكارثي، وتقول وهي تحاول كبح دموعها: "كيف يعود ابني بهذه الحالة إلى غزة؟ قطاع غير مؤهل صحيًا، لا مستشفيات، لا دم، لا أدوية، ولا حتى متابعة طبية."
تؤكد الأم أن حالة يامن مختلفة، فجسده حساس، ومناعته ضعيفة، وقد يكون عرضة لأي عدوى أو مضاعفات خطيرة إذ يعاني من نقص في الأكسجين، ومن الزُرقة التي تظهر على جسده، وآلام مستمرة في المفاصل، إضافة إلى اضطراب عام في وظائف الجسد لا تفسير له حتى الآن.
اليوم، يوجد يامن في القدس المحتلة مع والدته، التي تناشد كل الجهات المعنية وقف قرار إعادته إلى غزة. تقول بحرقة: "لا يهمني عدد المعارض ولا أين وصلت رسوماته. كل ما يهمني أن يعيش. حياتنا تحولت إلى عذاب، وأنا أخاف أن أفقده فقط لأنه لا يحمل تشخيصًا واضحًا."
يامن النجار ليس رقمًا في ملف طبي، وليس حالة عابرة. هو شاب يقف على حافة المجهول، بين مرض بلا اسم، واحتلال لا يعترف بالمرضى، وأمٍّ تحارب وحدها من أجل حقٍ بسيط: العلاج والحياة!
يامن النجار .. جسدٌ يبدو قويًا ومرضٌ بلا اسم!
الرسالة نت - خاص