في اليوم العالمي للتعليم، الذي يوافق الرابع والعشرين من كانون الثاني/يناير، لا يمرّ هذا اليوم على قطاع غزة بوصفه مناسبة احتفالية، بل كشاهدٍ إضافي على واحدة من أكثر الجرائم فداحة في تاريخ الصراع، فمع الساعات الأولى للعدوان، طالت الغارات المدارس والجامعات ورياض الأطفال، في رسالة واضحة مفادها أن الحرب لا تستهدف الحجر والبشر فحسب، بل العقل الفلسطيني وحقه في المعرفة، في محاولة لقتل المستقبل من جذوره.
ورغم هذا الاستهداف المنهجي، لم يستسلم الطالب الغزاوي لتدمير مدرسته أو جامعته، وكما فعل الفلسطينيون عقب نكبة عام 1948 حين حوّلوا الخيام إلى صفوف تعليمية، أعاد المشهد نفسه إنتاج ذاته في غزة، حيث تحوّلت خيام النزوح إلى مدارس بديلة، والساحات إلى فصول، والسبورات إلى ألواح خشبية وكرتونية. فالغزاوي، بطبعه، محبّ للتعليم، ويعتبره أداة صمود وبقاء، وهو ما تعكسه نسبة الأمية المتدنية جدًا في المجتمع الفلسطيني مقارنة بمحيطه، رغم عقود الاحتلال والحصار والحروب المتكررة.
مبادرات فردية في وجه الحرب
وسط هذا الخراب، برزت نماذج إنسانية وتربوية جسّدت معنى المسؤولية والالتزام، من بينها المعلمة داليا رفيق، معلمة اللغة الإنجليزية، التي ما إن حلّت الهدنة الأولى، حتى عادت لتعليم طلبة الثانوية العامة، وتهيئتهم لتقديم امتحاناتهم، إلى جانب تأسيس الطلبة في مختلف المراحل الدراسية.
تقول داليا لـ "الرسالة نت" إن ما قامت به لم يكن ترفًا ولا مبادرة عابرة، بل شعورًا عميقًا بالمسؤولية تجاه طلبتها، وحرصًا على ألا تنقطع علاقتهم بالتعليم رغم الحرب.
وتضيف أنها لم تتوقع حجم الإقبال الكبير، حيث كان الطلبة يتوافدون إلى المركز البسيط المقام بجانب منزلها من مناطق بعيدة، تحت القصف وفي ظل المخاطر، فقط من أجل متابعة دروسهم وعدم خسارة عامهم الدراسي. هذا الإقبال، بحسب داليا، كان رسالة واضحة بأن التعليم بالنسبة لأبناء غزة ليس خيارًا مؤجلًا، بل أولوية لا تسقط حتى في أوقات الإبادة.
أرقام صادمة وتحذيرات أممية
وفي السياق ذاته، قالت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين (الأونروا) إن نحو 660 ألف طفل في قطاع غزة حُرموا من التعليم للسنة الثالثة على التوالي بسبب الحرب المستمرة، محذّرة من أن أطفال غزة باتوا مهددين بأن يصبحوا “جيلًا ضائعًا”.
وأضافت الوكالة في بيان لها أن "الحرب في غزة هي حرب على الأطفال ويجب أن تتوقف، ويجب حماية الأطفال في جميع الأوقات"، مشيرة إلى أن قرابة مليون طفل في القطاع يعانون من صدمات نفسية عميقة، في ظل استمرار تدمير المدارس واستحالة انتظام العملية التعليمية.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 90% من مدارس قطاع غزة إما دُمّرت أو تضررت بشكل بالغ، ما يجعل عملية إعادة الإعمار مسارًا طويلًا ومعقدًا يتطلب موارد هائلة ووقتًا طويلًا، في وقت لا يملك فيه الأطفال رفاهية الانتظار.
إبادة تعليمية موثقة
من جهتها، أكدت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان أن المنظومة التعليمية في قطاع غزة تتعرض، للعام الثالث على التوالي، لحرمان ممنهج من الحق في التعليم، في إطار ما وصفته بـ"جريمة إبادة تعليمية" تُرتكب ضمن حرب الإبادة الجماعية المتواصلة على القطاع.
وقالت المؤسسة، في بيان لها بمناسبة اليوم العالمي للتعليم، إن الهجمات العسكرية المتواصلة أدت إلى تدمير مئات المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية تدميرًا كليًا أو جزئيًا، بما فيها مدارس الأونروا، إضافة إلى الاستهداف المباشر للطلبة والمعلمين، ما حرم مئات الآلاف من الأطفال والشباب من حقهم في التعليم الآمن.
وأشارت "الضمير" إلى استشهاد نحو 19 ألف طالب وطالبة، و800 معلم ومعلمة، إضافة إلى 1300 طالب جامعي و240 أكاديميًا ومدرسًا جامعيًا، في نزيف خطير لرأس المال البشري الفلسطيني، إلى جانب تدمير 11 جامعة بشكل كامل، وشلل شبه تام في التعليم العالي.
وختمت المؤسسة بالتأكيد على أن استهداف التعليم في غزة ليس ضررًا جانبيًا للحرب، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تدمير حاضر ومستقبل الفلسطينيين، مطالبة المجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة بتحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، والعمل العاجل على وقف العدوان، ورفع الحصار، وضمان حق الأطفال الفلسطينيين في التعليم، باعتباره حقًا أصيلًا لا يسقط تحت القصف.