في توقيت محسوب، أطلّ أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، بتصريح صحفي، واضعاً حكومة بنيامين نتنياهو أمام اختبار علني جديد، بعد أن اتخذت من ملف تسليم جثة آخر أسير إسرائيلي ذريعة لتعطيل تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها فتح معبر رفح.
وجاء البيان ليقلب معادلة الاتهام، إذ أكد أبو عبيدة أن المقاومة أنجزت كامل التزاماتها المتعلقة بالأسرى والجثامين، وقدّمت للوسطاء جميع المعلومات المطلوبة، في محاولة واضحة لنزع الغطاء السياسي عن مبررات نتنياهو، وكشف سياسة المماطلة الإسرائيلية التي تُدار تحت عنوان "التزامات لم تُنفذ"، بينما تُستخدم عملياً كورقة ضغط وابتزاز سياسي.
رسائل متعددة الاتجاهات
تأتي كلمة أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، في لحظة شديدة الحساسية سياسياً وميدانياً، مع تصاعد الجدل حول تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار، وتحديداً ملف الأسرى والجثث، الذي يُعدّ أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
الكلمة لم تكن مجرد إحاطة إعلامية، بل حملت رسائل متعددة الاتجاهات: إلى الاحتلال، والوسطاء، والجمهور الفلسطيني، وحتى الرأي العام الدولي.
حرص أبو عبيدة في مستهل كلمته على تأكيد أن كتائب القسام أنجزت كل ما هو مطلوب منها في إطار الاتفاق، سواء ما يتعلق بتسليم الأسرى الأحياء أو الجثث، وبـ"السرعة الممكنة" رغم الظروف الميدانية القاسية.
هذا التأكيد لا يخلو من دلالة سياسية، إذ يسعى إلى نزع أي ذريعة إسرائيلية يمكن استخدامها للادعاء بوجود تقصير من جانب المقاومة، ووضع الكرة بشكل مباشر في ملعب الاحتلال.
الحديث عن أن العملية جرت في "ظروف معقدة وشبه مستحيلة" يعكس محاولة لتوضيح حجم التحديات اللوجستية والأمنية في قطاع غزة، في ظل الدمار الواسع، واستمرار العمليات العسكرية، والانهيار شبه الكامل للبنية التحتية، وهو ما يمنح المقاومة، من منظورها، شرعية أخلاقية وسياسية في حال تعثر أي بند لاحق بسبب عوامل خارجة عن إرادتها.
رسالة واضحة للوسطاء
الدعوة الصريحة التي وجهها أبو عبيدة للوسطاء "للوقوف عند مسؤولياتهم وإلزام الاحتلال بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه" تحمل في طياتها نقداً غير مباشر لأداء الوساطات الدولية والإقليمية.
فالمقاومة، وفق الخطاب، تعتبر أن الخلل يكمن في عدم قدرة أو رغبة الوسطاء في ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل، التي اعتادت – وفق التجربة السابقة – التراجع أو التلاعب ببنود الاتفاقات.
هذا الخطاب يهدف إلى إعادة ضبط السردية: فبدلاً من تصوير المقاومة كطرف "مراوغ"، يتم تقديمها كجهة ملتزمة تعاقدياً، مقابل طرف احتلالي يتهرب من استحقاقاته.
ملف جثة الجندي "ران غويلي"
تطرق أبو عبيدة بشكل خاص إلى جثة الجندي الإسرائيلي "ران غويلي"، مؤكداً أن القسام زودت الوسطاء بكافة المعلومات المتوفرة، وأن الاحتلال يبحث حالياً في أحد المواقع بناءً على هذه المعطيات.
هذا التصريح يحمل عدة رسائل:
1. إثبات حسن النية: من خلال التأكيد على التعاون وتقديم المعلومات.
2. نقل عبء الفشل المحتمل: ففي حال لم يتم العثور على الجثة، فإن المسؤولية – وفق الخطاب – تقع على الاحتلال، وليس على المقاومة.
3. البعد النفسي والإعلامي: إذ يُعد ملف الجنود القتلى والمفقودين من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمع الإسرائيلي، ما يجعل أي تقدم أو تعثر فيه ذا تأثير داخلي كبير.
ومن الناحية العسكرية، تعكس الكلمة ثقة واضحة بقدرة المقاومة على إدارة ملفات معقدة، حتى في ظل ظروف قاسية.
أما رمزياً، فإن ظهور أبو عبيدة – بصفته الناطق العسكري – في هذا التوقيت، يعزز صورة القسام كجهة منظمة، تمتلك قراراً مركزياً وخطاباً محسوباً، بعيداً عن الارتجال.
كما أن نبرة الكلمة جاءت متوازنة؛ لم تتضمن تهديدات مباشرة، لكنها في الوقت ذاته لم تُظهر أي استعداد لتقديم تنازلات إضافية خارج إطار الاتفاق، وهو ما يمكن قراءته كرسالة ردع سياسية بقدر ما هي عسكرية.
التأثير المحتمل على مسار الاتفاق
كلمة أبو عبيدة قد تشكل نقطة ضغط جديدة على الوسطاء، خصوصاً في ظل تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل بشأن سلوكها بعد إعلان وقف إطلاق النار.
كما أنها تعزز موقف المقاومة في أي مفاوضات لاحقة، عبر تثبيت صورة "الطرف الملتزم"، ما قد يصعّب على الاحتلال تبرير أي تصعيد جديد أمام المجتمع الدولي.
وتجاوزت كلمة أبو عبيدة الإطار الإخباري إلى خطاب سياسي–عسكري محسوب، يهدف إلى تثبيت الرواية الفلسطينية، وتحميل الاحتلال مسؤولية أي إخفاق في تنفيذ الاتفاق، مع إبقاء باب الالتزام مفتوحاً من جانب المقاومة.