في زقاقٍ ضيق من زوايا مدينة غزة، يقف أحمد حرز الله كأنه لا يزال يعيش داخل ذلك اليوم الذي تغيّرت فيه حياته.
يتحدث بصوتٍ هادئٍ، لكن في عينيه ثقلٌ لا ينتهي. يكرر نفس الجملة كما لو أنها تكرارٌ يطمح أن يغيّر شيئًا في الواقع: “آخر شيء أتذكره هو أن ابني ملقًى على بعد ثلاثة أمتار مني… ثم أغمضت عيناه.”
أحمد، الذي كان في ذلك اليوم أبًا لأربع أبناء -ثلاث بنات وولد واحد- يحكي تفاصيل لحظةٍ واحدة غيرت مسار حياته كلها.
يومٌ كان فيه كل شيء طبيعيًا، حتى تبدّل إلى كارثة في ثوانٍ. يقول أحمد: “سألت زوجتي: أين هو ابني؟”
وكانت الإجابة البسيطة التي لا تحمل في ظاهرها أي تهديد: “إنه يلعب في مدرسة أسماء بجانبنا.”
كانت المدرسة مخصصة للنازحين. أطفالٌ يبحثون عن لعبة كرة قدم وسط حطام الحرب، يجرون وراء كرة لا تعني لهم شيئًا سوى أنها لحظة طفولة وسط جحيم.
توجه أحمد نحو المدرسة، يرى ابنه يلعب، ثم يطلب منه العودة إلى المنزل. “قلت له: هيا نعود، فالوقت تأخر.”
لم تكن ثلاثة أمتار هي المسافة الوحيدة التي تفصل بين الأب وابنه… كانت تلك ثلاثة أمتار تمتلئ بصوت انفجارٍ قريب، يفقد فيها الإنسان توازنه، وتُفقد معه كل الحياة التي يعرفها.
“سمعت صوت انفجار قريب… ورأيت ابني ملقى بعيدًا عني… ثم فقدت الوعي.”
في المستشفى، استيقظ أحمد عقليًا لكنه لم يستطع فتح عينيه. لم تكن مشكلةٌ طبيعية، بل كانت جرحًا أكبر من جسده، جرحًا في الروح.
يروي: “صحي عقلي، لكن عيني لا تريدان أن تتفتح.”
في غرفته، بدأ يصرخ: “كنت أريد أن ألمس شعره، أن أقبل جبينه.”
لكن الكلمات لم تكن كافية. لم تكن كافية لتغيير ما حدث.
قالوا له بصوتٍ لا يملك دفئًا كافيًا: “إنه استشهد.”
ظل أحمد على فراش الإسعاف، يعتقد أن كل شيء سينتهي عندما تُفتح عينيه، لكن الحقيقة لم تُغلق معها الجفون.
في قلب هذه المأساة الفردية التي عاشها أحمد، تتكشف أبعادها الجماعية المروّعة: أكثر من 16,000 طفل فلسطيني فقدوا حياتهم منذ بداية الحرب، بحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، بينما تؤكد تقارير حقوقية دولية ومنظمات إنسانية أن أكثر من 50,000 طفل فلسطيني قتلوا أو أصيبوا في قطاع غزة وحده، بالإضافة إلى عشرات الآلاف الذين فقدوا أحد والديهم أو كلاهما.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاء… بل هي أطفالٌ حُرِموا من أحلامهم، من المدرسة، من اللعب، ومن المستقبل، تمامًا كما حُرم أحمد من رؤية ابنه الأخير في حياته.
يصف أحمد لحظته الأخيرة مع ابنه، وكأن الزمن توقف عندها: “قلبي يبكي… لا تبكي عيني. الدموع تستطيع أن تمسحها، لكن دموع القلب لا تستطيع.”
ثم يضيف، كأنه يروي جزءًا من جسده الذي بقي حيًا بعد أن فقد جزءًا منه في الحرب: “بُترت أربعة أصابع من قدمي… وقدمي اليسرى فيها بلاتين… ويدي أيضًا.”
لم يكن الألم الذي في جسده هو الأشد. الأشد أن الأب لا يستطيع أن ينسى ذلك اليوم الذي فقد فيه ابنه الوحيد.
يقول وهو يرفع يديه كمن يطلب من الزمن أن يعيده: “لا أستطيع أن أنسى ذلك اليوم.”
هذه ليست قصة رجلٍ فقد ابنه فقط. إنها قصة رجلٍ فقد الطمأنينة، وفقد القدرة على أن يرى، وفقد جزءًا من جسده، وفقد معنى الحياة الذي كان يُختصر في اسم واحد: ابنه!
وبينما يتحدث أحمد، يبقى السؤال الذي لا يجد جوابًا:
كيف يستمر إنسانٌ بعد أن يصبح آخرُ شيءٍ يتذكره هو وجه ابنه على بعد ثلاثة أمتار… ثم يغلق عينيه للأبد؟
هذه ليست مجرد حادثة. إنها جزءٌ من سجل طويل، يسجل فيه الفلسطينيون أسماء أولادهم، ثم يضيفون إلى الأسماء تاريخًا لا يُمحى: تاريخ الاستشهاد.
وهنا، في غزة، يبقى صوت أحمد حرز الله يتردد، كأنه يذكرنا أن الحرب لا تقتل الجسد فقط… بل تقتل الحلم، وتسرق من الأب اللحظة الأخيرة التي كان يتمنى أن تُحفظ في ذاكرته إلى الأبد.