تحت الأنقاض وبإمكانات شبه معدومة.. الدفاع المدني يعود إلى شمال غزة

تحت الأنقاض وبإمكانات شبه معدومة.. الدفاع المدني يعود إلى شمال غزة
تحت الأنقاض وبإمكانات شبه معدومة.. الدفاع المدني يعود إلى شمال غزة

الرسالة نت- متابعة

منذ الأيام الأولى للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، كان جهاز الدفاع المدني الفلسطيني في قلب دائرة الاستهداف المباشر. مقراته سويت بالأرض، وسياراته أُحرقت أو دُمّرت، وعناصره وجدوا أنفسهم بين خيارين قاسيين: إما التراجع أمام آلة الحرب، أو مواصلة العمل بأبسط الإمكانيات لإنقاذ الأرواح وانتشال الشهداء من تحت الأنقاض.

ورغم أن الاحتلال وضع طواقم الإسعاف والإنقاذ ضمن أهدافه الأولى، واصل رجال الدفاع المدني أداء واجبهم الإنساني بأدوات بدائية، وسط قصف متواصل، وطرق مدمرة، ومجازر لا تتوقف.

على مدار أكثر من عام من حرب الإبادة، عملت طواقم الدفاع المدني في ظروف توصف بأنها الأقسى في تاريخ الجهاز، إذ حُرموا من المعدات الثقيلة، وفقدوا العشرات من زملائهم بين شهيد وأسير وجريح، ومع ذلك لم يتوقفوا عن الوصول إلى أماكن القصف، وإخراج المصابين، وانتشال جثامين الشهداء من تحت الركام، أحيانًا بأيديهم العارية.

اليوم، وبعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من بعض مناطق شمال قطاع غزة، أعلن جهاز الدفاع المدني الفلسطيني افتتاح أول نقطة ميدانية له في منطقة “أبو شرخ” شمالي القطاع، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ أكثر من عام على تدمير كافة مقراته وبناه التحتية في تلك المنطقة.

نقطة بين الركام

النقطة الجديدة أقيمت وسط أنقاض المباني المدمرة، داخل خيام بسيطة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العمل. لا كهرباء، ولا أرضيات معبدة، ولا بنية تحتية تليق بجهاز إنقاذ يفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن المدنيين. المشهد لا يختلف كثيرًا عن خيام النازحين المنتشرة في الشمال، لكنه يحمل دلالة رمزية على الإصرار على استعادة الحد الأدنى من الجاهزية رغم كل ما حل بالجهاز.

مدير النقطة الميدانية إياد أبو جراد ذكر أن إعادة افتتاح النقطة جاءت "بجهود فاعلي خير"، مؤكدًا أهميتها الكبيرة في تغطية قطاع جغرافي واسع يشمل الصفطاوي وبيت لاهيا وجباليا البلد والمخيم، وصولًا إلى منطقة الفاخورة. وقال إن طواقم الدفاع المدني اضطرت طوال أكثر من عام للعمل خارج نطاق اختصاصها الجغرافي بسبب التدمير الممنهج، مضيفًا: “وجودنا هنا ضروري جدًا لخدمة المواطنين وطمأنتهم، حتى لو كنا نعمل بأقل الإمكانيات وتحت ظروف قاسية”.

عجز المعدات الثقيلة

رغم أهمية الخطوة، لا تزال التحديات اللوجستية تعصف بالجهاز. المركبات القليلة المتبقية تعاني من تهالك شديد وتقادم كبير، ما ينعكس سلبًا على زمن الاستجابة للحوادث، خاصة في ظل الطرق المدمرة والأنقاض المنتشرة في كل مكان.

المتطوع في الدفاع المدني محمد طموس أشار إلى أن الحاجة الماسة لمتطوعين جدد جاءت نتيجة “نقص حاد في الكادر البشري”، موضحًا أن الجهاز فقد ما بين 60 إلى 70 عنصرًا منذ بداية الحرب، بين شهيد وأسير وجريح. ووجّه طموس نداء استغاثة عاجل لإدخال المعدات الثقيلة، قائلاً: “نحن نحفر الصخر بأيدينا. معداتنا بدائية: كريك وطورية ومقص، بينما لا تزال آلاف الجثث تحت الأنقاض، ونحن عاجزون عن انتشالهم لعدم توفر البواقر والكباشات والشاحنات الثقيلة”.

خلال الحرب، لم يكن الدفاع المدني مجرد جهاز طوارئ، بل كان شاهدًا مباشرًا على المجازر، وهدفًا متكررًا للقصف. عشرات سيارات الإسعاف والإنقاذ تعرضت للاستهداف، ومقرات الجهاز دُمرت بالكامل، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني الذي يكفل حماية الطواقم الإنسانية.

ورغم المخاطر المتواصلة، يؤكد العاملون في النقطة الجديدة إصرارهم على الاستمرار في أداء واجبهم، معتبرين أن وجودهم في الميدان رسالة حياة وسط الموت، ودليل على أن إنقاذ الإنسان في غزة لا يزال أولوية، مهما كانت التضحيات.

يأتي افتتاح النقطة الميدانية في وقت تتواصل فيه خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار. وكان مكتب الإعلام الحكومي في غزة قد أعلن أن الاحتلال ارتكب 1450 انتهاكًا منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى نهاية يناير/كانون الثاني 2026، أسفرت عن استشهاد 524 مواطنًا وإصابة 1360 آخرين، في انتهاك وصفه البيان بالجسيم والمنهجي للقانون الدولي الإنساني.

بين أنقاض الشمال، وبمعدات بدائية، يحاول الدفاع المدني إعادة بناء حضوره خطوة خطوة. مهمة شاقة في واقع مدمر، لكنها تعكس إصرارًا على الحياة، في وجه حرب جعلت من المسعفين والمنقذين هدفًا، ومن العمل الإنساني فعل مقاومة يومي.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير