كان المشهد في اليوم الأول لعودة الغزيين عبر معبر رفح أقرب إلى ممرّ ضيّق بين الإذلال والانتظار.
غياب قسري لعام ونص لم يسح إلا بدخول اثنا عشر جسدًا فقط من خمسين، لكنهم حُمّلوا ما يفوق طاقة عددهم؛ أوقفوهم أكثر من عشر ساعات، لا لشيء إلا ليتعلّم الوقت كيف يصبح أداة عقاب.
ولا فرق بين امرأة ورجل. الكل سواء تحت الصوت العالي، وعنجهية الاحتلال والنظرة الفوقية، واليد التي تشير كأنها تملك الطريق والعودة والهواء.
صرخ ضباط الشاباك في الوجوه: كيف تعودون إلى غزة؟
كأن العودة جريمة ! التوبيخ كان مقصودًا، مُعلّبًا، يُقدَّم ببرودٍ مدروس. امرأة تُهان لأن صوتها منخفض، وأخرى لأن عينيها لا تنكسران. عرضوا عليهم الخيانة بوقاحة، لا همس فيها ولا خجل، ثم ساقوهم إلى مشهدٍ مُعدّ سلفًا، وجوهٌ معروفة بالعار، قبل أن يُفتح الباب الأخير.
قالت امرأة مسنّة ومريضة إن ما جرى لم يكن تحقيقًا عابرًا، بل اقتيادًا قسريًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وتؤكد أنهم كُبّلت أيديهم، وعُصبت أعينهم، ثم سيقوا إلى التحقيق لثلاث ساعات متواصلة، بلا مراعاة لعمر أو مرض. بعد ذلك نُقلوا إلى رفح، إلى المكان الذي كان يقف فيه فرقة أبو شباب. تقول إنها رأت رجلين وامرأة من مجموعته يصعدون إلى الحافلة، قبل أن تُستكمل الرحلة نحو غزة.
وتؤكد أن الاحتلال عُرض عليهم العمل معهم بوقاحة صريحة، وتوالت الأسئلة الكثيرة عن أمور لا يعلمونها ولا صلة لهم بها. كانوا يجيبون بوضوح: لا نعرف شيئًا، ولا علاقة لنا بأحد.
لكن الإجابات لم تشفع لهم؛ فالتهديد بالاعتقال كان حاضرًا، يُلوَّح به كعصا فوق الرؤوس. لم يُرحم رجل ولا امرأة، وكانوا على وشك اعتقال إحدى النساء بالفعل، قبل أن يُفرج عنها في اللحظات الأخيرة، بعد رجاء وتوسل.
مشهدٌ كثيف بالإذلال، يؤكد أن العبور لم يكن طريقًا للعودة، بل ممرًا مفتوحًا للترهيب وكسر الإرادة.
طريقة التعاطي لم تكن عابرة؛ كانت رسالة: العودة تمرّ من هنا، ومن هنا فقط، ومن لا يحتمل الوقوف عشر ساعات اليوم، فليتعلّم الخوف غدًا.
لقطة إعلامية جاهزة، سيادة مُعلنة على الجرح، عراقيل تُدحرج عمدًا في طريق أي إدارة قادمة، ورسالة تخويف لكل من يفكّر أن غزة ما زالت عنوانًا يمكن الرجوع إليه.
في اليوم الأول لفتح معبر رفح، لم تكن الأرقام سوى دليل إضافي على ضيق الهامش واتساع القيد.
فوفق ما أُعلن، غادر قطاع غزة ما بين 5 إلى 8 مرضى برفقة مرافقيهم، فيما عاد إلى القطاع 12 فلسطينيًا فقط، بعد توقف وانتظار طويلين. بينما كان المتفق عليه هو خروج نحو 150 شخصًا مقابل دخول قرابة 50 شخصًا.
وهنا في هذه الأكذوبة رسالة إلى العالم الذي لا يتوقف طويلًا عند التفاصيل الدقيقة: المعبر أمامك مفتوح الآن، والصورة العامة تقول إن الاحتلال احترم الاتفاقيات، وإن ثمة انفراجة تُسجَّل في خانة “الإنجاز”. لكن ما لا تراه في الهامش، ولا يُقال في العناوين، هو أن هذا الفتح محكوم بالأعداد، ومقيّد بالأسماء، ومفخخ بالإجراءات.
في سياق التفاصيل، أناس يُمنعون من الخروج بلا سبب معلن، ومرضى يُعادون، وعائدون يُحقَّق معهم كأنهم متهمون بالعودة إلى بيوتهم.
حين لا يتجاوز عدد الخارجين والداخلين 40 شخصًا في يوم ، فهذا ليس فتحًا لمعبر، بل تمديدٌ محسوب لحصار طويل.