قائمة الموقع

أحمد سويلم… حين اكتمل الطريق ولحق القلب بأصحابه

2026-02-10T11:59:00+02:00
أحمد سويلم… حين اكتمل الطريق ولحق القلب بأصحابه
الرسالة نت- خاص

لم يكن أحمد سويلم مجرد اسمٍ عابر في ذاكرة الميدان، بل كان حكايةً كاملة لرجلٍ اختار المواجهة طريقًا، ودفع أثمانها حتى آخر نبضٍ في قلبه. من بيت حانون، المدينة التي اعتادت أن تُنجب رجالها على وقع القصف والاشتباك، خرج أحمد مقاتلًا صامتًا، يعرف أن الطريق الذي يسلكه لا نهاية سهلة له.

لسنواتٍ طويلة، رافقته بندقية “الغول” كرفيقة عمر، حملها بثقة من يعرف هدفه، ويصوّب بها بدقةٍ نحو عدوه. في الميدان، لم يكن متهورًا، بل هادئًا، محسوب الخطوة، حتى صار اسمه واحدًا من العلامات الفارقة التي أربكت الاحتلال. عشرات الجنود سقطوا في مرماه، ومع كل محاولة لملاحقته، كان يفلت، كأن الأرض تعرفه وتحميه.

فشل العدو في الوصول إليه، فاختار الطريق الأكثر وحشية: أن يؤلمه في عائلته. في لحظةٍ سوداء، ارتقت زوجته وأطفاله شهداء، في جريمةٍ لم يكن هدفها سوى كسر قلبه، بعد أن عجزوا عن كسره في الميدان. يومها، لم يحمل أحمد سلاحه، بل حمل نعوش أحبته. وقف على رأسهم، والدمعة محبوسة في العين، والوجع يتكئ على الصدر، وقال بصوتٍ خافت لكنه ثابت: «أنا راضٍ… هذا قدر، وأعرف أنني سأواجهه».

منذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء ولم يتغيّر شيء. ازداد الحمل على قلبه، لكن خطوته لم تتراجع. كان يستذكر أطفاله في كل تفصيل: في صمت الليل، في زوايا البيوت المهدّمة، وفي لحظات الانتظار القاسية. زوجته، التي كانت شريكة الخوف والدعاء، بقيت حاضرة في ذاكرته، لا كصورةٍ بعيدة، بل كجرحٍ مفتوح لا يلتئم.

ومع الوقت، شاء الله أن يرزقه بزوجة ثانية، كانت هي الأخرى زوجة شهيد. التقى وجعان في بيتٍ واحد، لا بحثًا عن نسيان، بل عن قدرةٍ إضافية على الاحتمال. كان أحمد يقول إن هذه الأوجاع أتعبت قلبه، لكنها لم تطفئ رغبته في الحياة، تلك الحياة التي أرادها مواجهةً شريفة، لا استسلامًا ولا هروبًا.

كان يؤمن أن البقاء واقفًا هو أصدق أشكال الوفاء للشهداء. وأن مواجهة العدو لا تكون فقط بالرصاص، بل بالإصرار على الاستمرار، وبأن لا يرى المحتل لحظة انكسارٍ واحدة في عيون من حاول تحطيمهم. لذلك، ظل أحمد حاضرًا في الميدان، يحمل سلاحه بيد، وذكرياته الثقيلة باليد الأخرى.

حتى جاء فجر البارحة

في اشتباكٍ جديد، وعلى الأرض ذاتها التي أحبها ودافع عنها، ارتقى أحمد سويلم شهيدًا، إلى جانب رفيقين له، بعد مسيرةٍ حافلة بالمواجهة والصبر. لم يتراجع، ولم يساوم، ومضى كما عاش: ثابتًا، مقبلًا، يعرف أن النهاية التي اختارها هي ذاتها التي طالما استعد لها.

برحيله، اكتمل الطريق. لحق أحمد بزوجته وأطفاله، بعد أن طال انتظاره لهم. لم يعد القلب معلّقًا بين الأرض والسماء، بل استراح حيث أراد له القدر أن يستقر. هناك، حيث لا قصف، ولا فراق، ولا وجع جديد.

رحل أحمد، لكن حكايته بقيت. بقيت كدليلٍ على أن بعض الرجال يُؤخذ منهم كل شيء، إلا قدرتهم على المواجهة. وأن الفقد، مهما كان موجعًا، لا ينتصر حين يُواجَه بالإيمان والثبات. هكذا كان أحمد سويلم… قاتل في الميدان، وأبًا في الوجع، وشهيدًا حين آن الأوان.

اخبار ذات صلة