في غرفةٍ ضيقة في رفح، تستلقي رنين، ذات الأعوام الثمانية، على فراشٍ خفيف لا يقي جسدها الهشّ من الألم. تحاول أن تبقى ساكنة قدر الإمكان، لأن أي حركة بسيطة تكفي ليشدّ الجلد المحترق على عظامها، كأنه يُعاد تمزيقه من جديد.
لا تصرخ كثيرًا؛ تعلّمت أن تختصر الألم في أنفاسٍ متقطعة وعيونٍ دامعة. تقول والدتها فاطمة جندية إن ابنتها لم تعد تقيس الأيام، بل الدقائق الفاصلة بين دهنٍ وآخر لمرهمٍ يخفف حرقة الجلد.
تستعيد فاطمة لحظة النزوح من حي الشجاعية. “كنا نبحث عن مكان آمن”، تقول، قبل أن يسبقها صمتٌ ثقيل. في الطريق إلى رفح، سقطت القذائف. تنظر الأم حولها بعد الانفجار، فترى إحدى بناتها ملقاة على الأرض مصابة في رأسها. تبحث بعينين مذعورتين عن رنين، فتلمحها تشتعل. كانت تركض وتصرخ، والنار تلتهم جسدها الصغير، قبل أن ترتمي على الرمل محاولة إطفاء اللهيب. “جسدها احترق أمام عيني”، تهمس الأم.
منذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء. قدما رنين محترقتان ومشوّهتان بالكامل، والندوب تغطي جسدها كخريطة ألمٍ لا تنتهي. تحتاج إلى مساعدة لتغيير وضعيتها، ولا تستطيع النوم إلا لساعاتٍ متقطعة. وجهها ما زال جميلًا، مشرقًا ببراءة الطفولة، لكنه يخفي تحتَه جسدًا أنهكته الحروق. تحب أن تمسك دميتها بيدٍ واحدة، وتطلب من أمها أن تفتح النافذة قليلًا، ثم تعود وتطلب إغلاقها خوفًا من حرارة الشمس.
مع اقتراب الصيف، يتضاعف خوفها. الحرارة تعني مزيدًا من الالتهاب، ومزيدًا من الليالي التي لا تنام فيها. كل دقيقة تقريبًا، تدهنها أمها بمواد تخفف الإحساس بالحرق، بينما تحاول أن تبتسم لها وتخفي ارتجاف صوتها. رنين تعرف أن الألم سيشتدّ. تهمس بدعاءٍ صغير يكاد يكسِر القلب: “يا رب أسافر قبل ما يجي الصيف… أو أموت قبل ما يجي الصيف”.
ليست رنين وحدها في هذا الألم. فبحسب تقارير أممية حديثة، قُتل أو أُصيب أكثر من 50 ألف طفل في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، فيما تشير تقديرات إنسانية إلى أن عشرات الآلاف من الأطفال أُصيبوا بجروح، بينهم آلاف يعانون من إعاقات دائمة، وحروق وبتر أطراف تحتاج إلى تأهيل طويل الأمد. خلف كل رقم حكاية، وخلف كل إحصائية طفلٌ يخاف من موسمٍ جديد، كما تخاف رنين من صيفٍ يقترب.