يجلس كريم الهمص، شاب في السابعة والعشرين من عمره، على كرسي بلاستيكي قرب دمار المدينة، يمدّ قدمه المصابة أمامه بحذر شديد.
في ساقه مسامير من البلاتين زُرعت قبل أشهر طويلة، لكنها لم تجلب الشفاء المنتظر. الألم ما زال حادًا، والالتهاب يزداد سوءًا، والصديد يتسرّب من الجرح المفتوح، فيما تبدو الركبة متهتكة والعظام منهكة.
بصوت متقطع ودموع لا تتوقف، يروي كريم تفاصيل ما قاله له الأطباء: أمامه مهلة قصيرة لا تتجاوز عشرة أيام. إذا لم يتمكن خلالها من الخروج لاستكمال علاجه في الخارج، فسيكون بتر القدم خيارًا طبيًا اضطراريًا.
عبارة ثقيلة سقطت عليه كالصاعقة، لا بسبب الألم الجسدي فقط، بل لما تعنيه من تغيّر كامل في حياته ومسؤوليته تجاه أسرته.
كريم متزوج وأب لثلاثة أطفال صغار. خلال الحرب فقد والده، وأصبح المعيل الوحيد لوالدته وشقيقته إضافة إلى عائلته الصغيرة. يقول وهو يمسك بقدمه: “لا أريد أن أفقد قدمي… أريد فقط أن أعود قادرًا على الوقوف والعمل. أطفالي يحتاجونني، وأمي وأختي ليس لهما بعد الله سواي”.
التقارير الطبية، بحسب ما يؤكد، تشير إلى حاجته لزراعة مفصل وعلاج تخصصي طويل يتبعه برنامج تأهيل مكثف، وهي إجراءات غير متاحة في غزة بالإمكانات الحالية والحصار الجائر.
هذا التأخير، كما حذره الأطباء، قد يؤدي إلى مضاعفات أخطر، تبدأ بالبتر ولا تنتهي عند فقدان القدرة على الحركة.
وسط هذا الواقع، يوجّه كريم نداء استغاثة مفتوحًا إلى الجهات الصحية والإنسانية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، مطالبًا بالمساعدة العاجلة لتأمين تحويله الطبي والسماح له بالسفر لتلقي العلاج. يقول: “لا أطلب المستحيل. أطلب فرصة علاج… فرصة أن أبقى واقفًا على قدمي من أجل عائلتي”.
ويأتي نداء كريم في وقت يواجه فيه آلاف الجرحى والمرضى في غزة أزمة حقيقية في الوصول إلى العلاج اللازم خارج القطاع. تشير أحدث الإحصاءات إلى أن أكثر من 20,000 مريض وجريح أكملوا تحويلاتهم الطبية وينتظرون الإذن للسفر للعلاج في الخارج، بينهم حوالي 440 حالة حرجة تحتاج إلى تدخل عاجل.
ويشمل هذا الرقم أكثر من 4,000 طفل يحتاجون إلى علاج عاجل، وحوالي 4,000 مريض مصاب بالسرطان، إلى جانب آلاف الجرحى من الحرب الذين يتطلعون إلى علاج جراحي متخصص غير متوفر محليًا.
الانتظار الطويل أمام المعابر والقيود الإدارية جعل قوائم المرضى ممتدة، والعديد منهم يواجه خطر تدهور حالتهم الصحية أو فقدان القدرة على الحركة، كما هو الحال مع كريم، الذي قد يفقد قدمه إذا لم يتمكن من السفر لتلقي العلاج في الخارج.