لم تكن تلك مجرد ذكرى عابرة في حياة عبد الرحمن مهنا، بل لحظة انقسام حادة بين عالمين: ما قبل القصف، وما بعده. لحظة تحوّل فيها من طفل بين عائلته إلى ناجٍ وحيد يتمسّك بيد والده كما يتمسّك الغريق بخشبة نجاة.
يروي عبد الرحمن تفاصيل الحادثة التي غيّرت كل شيء. في تلك الليلة، تعرّض منزل العائلة لقصف مباشر. لم يتذكر الصوت، ولا الانفجار، ولا حتى اللحظة التي سقط فيها كل شيء. يقول إنه كان غائبًا عن الوعي عندما انتشلته الطواقم من تحت الركام. لم يعرف أنه خرج حيًا بينما رحلت والدته وإخوته جميعًا في اللحظة نفسها.
نُقل عبد الرحمن إلى مستشفى العودة في شمال القطاع، حيث بقي في غيبوبة لأكثر من أسبوع. هناك، بين الأجهزة والضمادات، كان جسده حاضرًا لكن وعيه غائب.
وحين بدأ يستعيد إدراكه تدريجيًا، كانت الفوضى تحيط بالمكان. اقتحمت قوات الاحتلال المستشفى، خوف، وحركة مربكة في الممرات. في تلك الأيام، انفصل عن والده ولم يكن قادرًا على رؤيته. كان صوتهما يلتقي فقط عبر الممرضات، مكالمات قصيرة ومبتورة، تطمئن ولا تشرح.
يقول: “كنت أسأل، ولا أحد يجيبني بشكل واضح. شعرت أن هناك شيئًا كبيرًا مخفيًا عني.”
خلال فترة بقائه في المستشفى، كان يُقدَّم له الخبز مع الوجبات. يتذكر تلك التفصيلة الصغيرة التي صارت اليوم أكثر إيلامًا من القصة كلها. كان يقطع الرغيف إلى نصفين، يأكل جزءًا ويُخبئ الآخر لأخته الصغرى. كان يظن أنه سيعود إليها قريبًا، وأنها ستضحك حين يعطيها حصتها التي ادّخرها لها. لم يكن يعرف أنها رحلت مع البقية.
بعد انسحاب القوات من محيط المستشفى، جاء والده. دخل عليه بخطوات ثقيلة، وجلس على ركبتيه قرب السرير. لم يحتج إلى مقدمة طويلة. قالها مباشرة: الجميع استشهدوا.
يصف عبد الرحمن تلك اللحظة بأنها الأصعب: “شعرت أن السرير يهبط بي، وأن الهواء اختفى. فهمت فجأة لماذا كانوا يتهربون من إجابتي.”
منذ ذلك اليوم، تغيّرت حياة الاثنين. أبٌ وابنه فقط، بلا بيت كما كان، ولا عائلة كما كانت. يقول عبد الرحمن: “صرنا نعيش أنا وأبي كأننا ظلّان يمشيان معًا. هو سندي الوحيد، وأنا سنده. نحاول أن نمسك بيد بعضنا البعض إلى الأبد.”