مع حلول شهر رمضان المبارك، الذي اعتاد الغزيون استقباله بأجواء من البهجة والتكافل الاجتماعي، تبدو الصورة هذا العام مختلفة تماما. فبدلا من ازدحام الأسواق وارتفاع أصوات الباعة وهم يعرضون أصناف التمور والقطايف ومستلزمات الشهر الكريم، تخيم على المشهد حالة من الحزن والقلق نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطنون.
وتعاني أسواق غزة من ركود غير مسبوق، في ظل تراجع حاد في الدخول وانعدام فرص العمل، ما أدى إلى انخفاض القوة الشرائية إلى مستويات متدنية للغاية. فمعظم الأسر باتت غير قادرة على توفير الاحتياجات الأساسية، ناهيك عن متطلبات رمضان التي كانت تشكل سابقا مصدر فرح وتجهيزات خاصة.
ويحل رمضان هذا العام وسط اعتداءات إسرائيلية مستمرة على الرغم من سريان اتفاق وقف إطلاق النار، الأمر الذي فاقم من تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.
وبين أسواق مدمرة وأرقام اقتصادية صادمة، تستقبل غزة الشهر الفضيل بواقع يختصره مشهد متكرر، بسطات تعرض القليل وأسعار تتجاوز الإمكانات ومواطنون ينتظرون فرجا يعيد إلى الشهر الكريم بعضا من طمأنينته الغائبة.
دخل معدوم
ويقول المواطن محمد الغندور إن رمضان كان في السابق موسما ينتظره بفارغ الصبر ليشتري احتياجات أطفاله من ملابس جديدة وحلويات وأصناف غذائية متنوعة، لكنه اليوم يقف عاجزا أمام أبسط المتطلبات.
ويوضح أن انعدام مصدر الدخل منذ أشهر طويلة جعله يعتمد بشكل كامل على مساعدات محدودة لا تكفي لسد الرمق.
ويضيف الغندور: "الأسعار ارتفعت بشكل غير مسبوق، في حين لم يعد هناك أي دخل ثابت يمكن الاعتماد عليه، فحتى إن توفرت بعض السلع في الأسواق، فإن أسعارها تتجاوز قدرته الشرائية بكثير، ما يضطره إلى تقليص قائمة مشترياته إلى الحد الأدنى، مقتصرا على الأساسيات فقط".
ويتابع بحسرة أن أبناءه يسألونه عن مظاهر رمضان التي اعتادوا عليها، لكنه يجد نفسه عاجزا عن تلبية رغباتهم. ويؤكد أن الشعور بالعجز هو الأكثر قسوة، إذ لم يعد الأمر متعلقا بالرفاهيات، بل بتوفير الطعام اليومي، في ظل واقع اقتصادي خانق لا يلوح في أفقه أي تحسن قريب.
أما المواطن محمد يونس، الذي يسكن في خيمة بعد فقدان منزله في شمال غزة، فيؤكد أن معاناته تتضاعف مع قدوم رمضان. "فالحياة في الخيام تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار، ومع ذلك ترتفع الأسعار في الأسواق بشكل يفوق قدرة السكان على التحمل".
ويشير يونس إلى أن شراء احتياجات بسيطة مثل الأرز أو الزيت أو السكر أصبح عبئا كبيرا، بعدما قفزت الأسعار إلى أضعاف ما كانت عليه.
ويقول إن كثيرا من الأسر في المخيمات المؤقتة تضطر إلى الاكتفاء بوجبة واحدة يوميا، بسبب غلاء الأسعار وغياب مصادر الدخل.
ويضيف أن الأوضاع الإنسانية الصعبة، إلى جانب ارتفاع تكاليف السلع، تجعل من رمضان هذا العام شهرا للقلق بدلا من الطمأنينة.
ويؤكد أن السكان يعتمدون بشكل شبه كامل على المساعدات، التي لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، ما يزيد من شعورهم بعدم الأمان الغذائي.
أرقام صادمة
وفي سياق متصل، يقول المدير العام للغرفة التجارية والصناعية بمحافظة غزة ماهر الطباع إن الناتج المحلي الإجمالي انخفض بنسبة 86% مقارنة بعام 2023، في حين بلغت البطالة 80% بعد تدمير نحو 85% من المنشآت الاقتصادية.
ويضيف الطباع أن أكثر من 1.6 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي، في حين تجاوزت معدلات الفقر 90%. كما قفزت أسعار بعض السلع بنسبة تراوح بين 300%، مع انعدام شبه كامل للقدرة الشرائية واعتماد السكان على مساعدات محدودة لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات.
هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الاقتصادية التي تعيشها غزة، حيث تلاشت مصادر الدخل، وتراجعت الأنشطة التجارية، وتحولت الأسواق التي كانت تعج بالحركة إلى مساحات شبه خالية، لا يرتادها إلا من يبحث عن الحد الأدنى من احتياجاته اليومية.
وبين أسواق مدمرة وأسر مثقلة بالهموم، يستقبل الغزيون شهر رمضان بقلوب مثقلة، آملين أن يحمل الشهر الكريم انفراجة قريبة تخفف من معاناتهم. فالمشهد العام يعكس فجوة واسعة بين ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخل، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية بشكل شبه كامل.
ورغم قسوة الظروف، لا يزال المواطنون يتمسكون بالأمل، مستندين إلى روح التضامن المجتمعي التي تميزهم، وإلى إيمانهم بأن الفرج قد يأتي في أي لحظة.
أسواق غزة تستقبل رمضان بين أنقاض الاقتصاد وغلاء الأسعار
الرسالة نت - خاص