قائمة الموقع

محمد البكري .. حكاية أسير محرَّر عن يومٍ كُسرت فيه الكرامة

2026-02-21T10:42:00+02:00
الرسالة نت - متابعة

يروي الأسير المحرر محمد البكري شهادته بصوتٍ لا يزال يرتجف، كأن الكلمات تخرج من مكانٍ جريح في الذاكرة. لا يتحدث عن ألمٍ عابر، بل عن لحظةٍ غيّرت معنى الإهانة في داخله إلى الأبد.

يبدأ حديثه من لحظة نقلهم من معسكر سدي تيمان، سيّئ السمعة، إلى معتقل آخر في جبال القدس. لم يكن يعرف الاسم، فقط يعرف أن الطريق كان طويلًا، وأن القيود كانت أشد، وأن وجوه الجنود لا توحي إلا بالمزيد.

“كنا سبعة أو ثمانية”، يقول، “متلاصقين كأننا نحاول أن نحتمي ببعضنا من المجهول”.ثم يصف اقتحام الوحدة الخاصة للمكان، ترافقها كلاب بوليسية. صراخ، أوامر حادة، واندفاع مفاجئ. 

جُرِّدوا من ملابسهم، وتعرضوا  لضرب مبرح، قبل أن يُتركوا في مواجهة الكلاب التي أُطلقت عليهم. يتوقف قليلًا عند هذه النقطة، يبتلع ريقه، ثم يكمل: “لم تكن مجرد ضربة جسد… كانت محاولة كسر إنسان حيث اغتصبتنا الكلاب بأوامر من الجنود؛ ثم أعاد الجنود اغتصابنا باستخدام العصي الخشبية والحديدية"
يكرر عبارة واحدة أكثر من مرة: “كرامتنا كانت تُداس”.
لا يصف الألم الجسدي فقط، بل الأثر النفسي: الشعور بالعجز الكامل، بانعدام الحماية، وبأن الإنسان يمكن أن يُدفع إلى منطقة لا يتخيل يومًا أنه قد يصلها.
بعد خروجه، لم يكن السؤال الأول عن الجراح، بل عن المعنى: أين حقوق الإنسان؟ أين القوانين التي سمعنا عنها طويلًا؟ كيف يمكن أن يحدث هذا؟!

في الشهادات الخارجة من أماكن الاحتجاز، لا تكون الكلمات مجرد سردٍ لوقائع، بل محاولة لاستعادة الصوت. الضحايا لا يملكون كاميرات، ولا وثائق، ولا تسجيلات ،  يملكون فقط الذاكرة. والذاكرة، مهما ارتجفت، تبقى دليلهم الوحيد على أن ما جرى لم يكن كابوسًا، بل حدثًا عاشوه لحظةً بلحظة.

هذه القصة ليست رقمًا في تقرير، ولا سطرًا في بيان. هي شهادة إنسان يحاول أن يعيد ترتيب نفسه بعد تجربة يقول إنها كانت “أصعب يوم في حياته”. وفي مثل هذه الشهادات، لا يكون السرد ترفًا أدبيًا،  بل شكلًا من أشكال النجاة.

ومنذ 7 أكتوبر 2023، دخلت قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال منعطفًا مأساويًا، إذ تشير تقديرات لمؤسسات ، من بينها هيئة شؤون الأسرى والمحررين، إلى أن حملات الاعتقال منذ ذلك التاريخ تجاوزت 20 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية والقدس، بينما يقبع حاليًا في السجون أكثر من 9,300 أسير، بينهم نحو 350 طفلًا وحوالي 70 امرأة، إضافة إلى آلاف المعتقلين إداريًا دون محاكمة. 

كما وثّقت الجهات الحقوقية أكثر من 100 حالة وفاة داخل السجون وأماكن الاحتجاز خلال هذه الفترة، في ظل تصاعد التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي.

 بهذه الأرقام، التي تعكس صورة مكثفة لملف إنساني ثقيل، ما زال مفتوحًا على الألم، وينتظر عدالةً تُنصف الضحايا وتردّ للكرامة معناها.

اخبار ذات صلة