في مدينةٍ تُحاصَر بالكاميرات كما بالحواجز، لم تعد الملاحقة تقتصر على الجغرافيا، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث يُستهدف الصوت الفلسطيني كلما اقترب من القدس ومسجدها الأقصى.
ومع تصاعد الأحداث في المدينة، بات المحتوى المقدسي تحديدًا في مرمى قرارات الحظر والتضييق، في سياق يُنظر إليه على أنه محاولة لإعادة تشكيل الرواية المتداولة عالميًا عبر إسكات منصات محلية تنقل الوقائع من قلب الحدث.
في هذا الإطار، أصدر وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس قرارًا، نُشر بعد منتصف ليل الإثنين 23 شباط/فبراير 2026، يقضي باعتبار عدد من المنصات الإعلامية المقدسية "محظورة"، من بينها العاصمة، البوصلة، معراج، قدس بلس، إضافة إلى منصة ميدان القدس التي كانت قد أعلنت توقفها نهاية عام 2022 عقب ملاحقات متكررة عبر شركة Meta.
وبحسب القرار، يشمل الحظر أبرز المنصات الرقمية المتخصصة في تغطية شؤون مدينة القدس والمسجد المسجد الأقصى، ما يعني عمليًا تقليص المساحة الإعلامية المتاحة لنقل التطورات الميدانية، خصوصًا في ظل استمرار التوترات المتصاعدة واقتراب شهر رمضان الذي يشهد عادة ذروة في الأحداث بالمحيط.
سياق متصاعد من التضييق
لا يأتي القرار في فراغ؛ إذ سبق للسلطات الإسرائيلية أن أعلنت حظر موقع "القسطل" الإخباري خلال الأشهر الأولى من الحرب، في خطوة اعتُبرت آنذاك جزءًا من سياسة أوسع لتقييد المنصات المحلية العاملة في القدس. ويرى متابعون أن ما يجري اليوم يمثل حلقة جديدة في مسار تصاعدي يستهدف المحتوى الفلسطيني عمومًا، والمقدسي على وجه الخصوص، عبر أدوات قانونية وأمنية ورقمية متداخلة.
ويشير مختصون في الإعلام الرقمي إلى أن التضييق لم يعد يقتصر على الإغلاق المباشر، بل يشمل خفض الوصول، تقييد الحسابات، حذف المواد المصورة، وربط التغطية الإخبارية بتهم "التحريض" أو"دعم الإرهاب"، ما يخلق بيئة ضغط مستمرة على الصحفيين والمؤسسات المحلية.
إدانات وتحذيرات
من جهته، دان منتدى الإعلاميين الفلسطينيين القرار، معتبرًا أنه يصنّف منصات إعلامية فلسطينية مستقلة على أنها "أذرع" لحركة حماس، ويُخضعها لقانون حظر الإرهاب الإسرائيلي.
وأكد المنتدى أن القرار يمثل محاولة لقمع الصوت الفلسطيني المستقل ومنع وصول الرواية الفلسطينية إلى الجمهورين العربي والدولي، مشيرًا إلى أنه يشكل انتهاكًا صارخًا لحرية الصحافة والتعبير وخرقًا للمواثيق الدولية.
وشدد المنتدى على أن هذه الإجراءات لن تثني وسائل الإعلام الفلسطينية عن أداء دورها، داعيًا المؤسسات الحقوقية والإعلامية الدولية إلى إدانة القرار والتضامن مع المنصات المستهدفة.
وحث المجتمع الدولي على حماية حرية الصحافة ومحاسبة الجهات التي تستخدم قوانين مكافحة الإرهاب لتجريم العمل الإعلامي.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه السياسة قد يؤدي إلى فراغ إعلامي في القدس، يُضعف التغطية المحلية الدقيقة ويزيد الاعتماد على مصادر غير ميدانية. كما أن استهداف المنصات المتخصصة في شؤون المسجد الأقصى يثير مخاوف من تقليص نقل الانتهاكات أو القيود المفروضة على المصلين، خاصة خلال المواسم الدينية التي تشهد حساسية عالية.