قائمة الموقع

حين توقفت الحياة عند لحظة جمع الحطب… حكاية رائد الذي يحلم أن يمشي من جديد

2026-02-23T15:09:00+02:00
الرسالة نت - خاص


في صباحٍ بارد، من صباحات مدينة غزة، خرج رائد معروف، الشاب العشريني، ليجمع الحطب لعائلته كما اعتاد أن يفعل في ظل شحّ الوقود وانقطاع الكهرباء. لم يكن يحمل سوى حبلٍ صغير وسكينٍ قديم، ولم يكن يتوقع أن تتحول تلك الخطوات القليلة إلى آخر ما يمشيه بقدميه.

يقول رائد: “كنت أذهب لأجمع الحطب كي نطهو الطعام ونبقى دافئين. في تلك اللحظة، سمعت أزيزًا في السماء، ثم لم أعد أذكر سوى الانفجار.”

استهدفته طائرة استطلاع بصاروخ، فأنهت حياة الشاب، وأعادته إلى عائلته جسدًا مثقلًا بالجراح. عندما استفاق في المستشفى، كانت الصدمة أكبر من الألم: فقد قدميه وإحدى يديه. ومنذ ذلك اليوم، يجلس على كرسي متحرك، يتأمل حياةً كانت قبل لحظات تمضي بخطى ثابتة.

رائد، الذي كان في العشرين من عمره، كان يعمل ليساعد أسرته. كان يخرج إلى السوق، يشتري احتياجات البيت، ويعود محمّلًا بأكياس الطحين والخضار التي تختارها أمه. كان يشعر بالفخر لأنه المعيل، واليد التي تمتد لتخفف عن والده وأشقائه.

“كنت أعمل وأجلب المال لأهلي وأصرف عليهم”، يقول بصوتٍ يختلط فيه الحنين بالألم، “اليوم أجلس على كرسي. لا أستطيع أن أذهب إلى السوق، ولا أن أحمل شيئًا لأمي.”

لم يعد رائد يحلم بوظيفة أو دراسة أو زواج أو بناء أسرة. تقلّصت أحلامه إلى أمنية واحدة: أطراف صناعية تعينه على الوقوف مجددًا. “كل ما أريده فرصة للعلاج، وأن أركّب أطرافًا تساعدني أن أخطو من جديد… ولو ببطء.”

في بيتهم البسيط شمال غزة، تغيّرت الأدوار. الأم التي كان ينتظر طلباتها لتلبيتها، صارت هي من تساعده على الجلوس والحركة. النظرات التي كانت تودّعه بها إلى العمل، صارت الآن تمسح على كتفيه محاولة أن تخفي دموعها.

الأطباء يؤكدون أن حالته تحتاج إلى تأهيل طويل وأطراف صناعية متطورة، وهي إمكانيات محدودة داخل القطاع المحاصر، في ظل انهيار المنظومة الصحية ونقص المستلزمات الطبية. وبين انتظار العلاج وتكاليفه الباهظة، يعيش رائد على أمل أن تصل قصته إلى من يستطيع مساعدته.

“لا أريد الكثير من الدنيا”، يقول وهو ينظر إلى الفراغ أمامه، “أريد فقط أن أمشي… أن أشعر أنني ما زلت شابًا.”


وتشير تقديرات وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن نحو 6 آلاف فلسطيني فقدوا أحد أطرافهم أو أكثر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 نتيجة الحرب على غزة، في حين تتحدث مصادر دولية أخرى عن أكثر من 4 آلاف حالة بتر موثقة حتى الآن، مع استمرار ارتفاع الأرقام بفعل الإصابات الخطيرة.

 كما تسجل غزة أعلى معدل لأطفال مبتوري الأطراف نسبة إلى عدد السكان في العالم، في مؤشر صادم على حجم الكارثة الإنسانية.

وفيما يتعلق بالاحتياجات العلاجية، تفيد تقارير منظمات متخصصة بأن القطاع يحتاج إلى ما لا يقل عن 6 آلاف طرف صناعي بشكل عاجل لتلبية احتياجات المصابين من مختلف الأعمار، بينما تشير تقديرات أوسع إلى أن عدد الجرحى الذين يعانون من إصابات بالغة في الأطراف ويحتاجون إلى خدمات تأهيل وأطراف صناعية قد يصل إلى نحو 17,500 شخص بين أطفال وبالغين.

وتتفاقم الأزمة مع وجود عدد محدود جدًا من المختصين في تركيب وصيانة الأطراف الصناعية داخل غزة، لا يتجاوز نحو 8 تقنيين فقط، ما يؤدي إلى قوائم انتظار طويلة ويؤخر حصول المصابين على حقهم في العلاج والتأهيل.

وتعكس هذه الأرقام، رغم صعوبة التوثيق الكامل في ظل الظروف الراهنة، حجم الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات المتزايدة والإمكانات المتاحة، وتكشف عن معاناة مستمرة لمئات العائلات التي تنتظر فرصة أن يعود أبناؤها إلى الوقوف من جديد.

اخبار ذات صلة