كان محمد أبو الحسني في السادسة من عمره حين بدأ الليل يتحول إلى عدو. لم يعد يخاف الظلام بحد ذاته، بل الأصوات التي تسكنه. كلما سمع بابًا يُغلق بقوة، أو ارتفع صوت دراجة في الشارع، كان جسده الصغير يرتجف كأن السماء تعود لتسقط فوقه.
عاش محمد الحرب كما عاشها أطفال غزة جميعًا؛ كان في قلب المعركة. رأى الدخان، وسمع القصف، ونام على صوت الانفجارات. في البداية، قال والده إن الأمر طبيعي، “هو فقط خائف”، لكن الخوف لم يختفِ، بل تغيّر شكله. بدأ محمد يستيقظ مفزوعًا، يصرخ بلا سبب واضح، يركض في البيت كأنه يهرب من شيء لا يراه أحد سواه.
شُخّصت حالته لاحقًا على أنها اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). كانت النوبات في البداية متباعدة؛ مرة كل أسبوع، أو ربما مرة كل شهر. لكن مع مرور الوقت، صارت تتقارب، حتى أصبحت شبه يومية. نوبات هلع حادة، صراخ مستمر، تسارع في ضربات القلب، تعرّق شديد، ونظرات زائغة كأن الطفل يغيب عن الحاضر ويعود إلى لحظة القصف الأولى.
يقول والده إن محمد لم يعد كما كان. لم يعد يلعب في الشارع، ولا يضحك بصوت عالٍ، ولا ينام نومًا متصلًا.
حاول الأب البحث عن علاج. أُجري لمحمد تخطيط للأعصاب، وأظهرت النتائج وجود زيادة في الشحنات الكهربائية في الدماغ، وهي حالة قد تتفاقم مع الصدمات النفسية الشديدة. الأطباء أوصوا بعلاج دوائي منتظم، إلى جانب جلسات دعم نفسي مكثفة. غير أن الواقع في غزة لا يشبه التوصيات الطبية.
الدواء الذي يحتاجه محمد مقطوع منذ ما قبل الحرب، ومع اندلاعها ازداد الشح في الأدوية النفسية والعصبية. الصيدليات خاوية، والمخازن الطبية شبه فارغة، والبدائل محدودة أو غير متوفرة. في إحدى المرات، اضطر الأب لإعطائه دواءً منتهي الصلاحية، بعد أن عجز عن إيجاد بديل. لم يكن قرارًا سهلاً، لكنه كان بين خيارين أحلاهما مرّ. بعد أيام، ساءت حالة محمد، وتزايدت النوبات حدةً وتكرارًا.
وتشير تقارير صحية ونفسية حديثة إلى أن أكثر من نصف أطفال غزة (حوالي 53.5%) يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) نتيجة التعرض المباشر والمتكرر للعنف والقصف، وهي نسبة ترتفع أحيانًا في دراسات محلية لتصل إلى بين 23% و70% حسب شدّة التعرض للصدمات.
وفي دراسة أخرى، تبين أن 96% من أطفال القطاع يشعرون بقلق شديد من خطر الموت المستمر، بينما يعاني 87% منهم مستويات عالية من الخوف و79% من كوابيس ليلية متكررة، ما يعكس مدى عمق الصدمة النفسية التي يعيشها الأطفال يوميًا.
وتُشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن كل طفل في غزة تقريبًا بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي نتيجة العنف والدمار والعيش تحت القصف المستمر، وهو ما يجعل الحالات المشابهة لما يعيشه محمد ليست مجرد استثناء بل جزءًا من أزمة نفسية شاملة تضرب جيلًا بأكمله.