أبعاد مركبة للدمار في غزة.. مجتمع يُقتلع من جذوره

أبعاد مركبة للدمار في غزة.. مجتمع يُقتلع من جذوره
أبعاد مركبة للدمار في غزة.. مجتمع يُقتلع من جذوره

الرسالة نت- متابعة 

قال تقرير نشره موقع "ميدل إيست آي" إن أدوات القصف الحديثة خلّفت فراغاً واسعاً في معظم أنحاء قطاع غزة، لم يقتصر على الدمار المادي فحسب، بل امتد ليطال البنية الاجتماعية والثقافية والبيئية، في مشهد وصفه بأنه "إبادة جماعية مركبة" متعددة الأبعاد.

ولفهم حجم المأساة، يعيد التقرير بناء المشهد قبل إحدى الغارات الجوية: حيّ سكني تعيش فيه عائلات ممتدة، تربطها علاقات قرابة ومصاهرة وصداقة. في مبانٍ متعددة الطوابق – وهي النمط السكني الشائع في غزة – كانت أجيال متعاقبة من العائلة تبني طابقاً فوق آخر، بعد سنوات من العمل والادخار، ليغدو المنزل شاهداً على تاريخ أسري طويل. لكن هذه المباني، ومعها البيوت المجاورة، تحولت إلى ركام في لحظات.

الأطفال في قلب الاستهداف

يشير التقرير إلى أن الأطفال كانوا في صدارة الضحايا، إذ يشكل من هم دون الثامنة عشرة غالبية المجتمع في غزة. وحذر مسؤولون دوليون مراراً من أن وتيرة القتل تعادل "فصلاً دراسياً كاملاً" من الأطفال يومياً.

وشملت الهجمات مرافق الطفولة والتعليم، من رياض الأطفال والمدارس – بما فيها مدارس "الأونروا" – إلى الملاعب والمستشفيات والعيادات. أما المدارس التي نجت من القصف، فتحولت إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين.

ويؤكد التقرير أن أطفال غزة عاشوا مشاهد قاسية، إذ لا يكاد يخلو طفل من رؤية جثامين ممزقة أو دماء، غالباً لأقارب أو جيران. 

وكان الأطفال الخدّج من بين الأكثر هشاشة، بعدما توقفت الحاضنات إثر انقطاع الكهرباء والوقود، وسط تعذر نقلهم للعلاج رغم النداءات المتكررة.

ويرصد التقرير شهادات عن أطفال انتُشلوا من تحت الأنقاض بعد ساعات طويلة، وقد فقدوا آباءهم وإخوتهم. ويحمّل الطفل الناجي أعباء ثقيلة: فقدان الأسرة، وانعدام الأمان، وتبدد الأمل، والنزوح المتكرر، إلى جانب مسارات يومية شاقة للحصول على الماء والطعام.

استهداف الحياة الأكاديمية والثقافية

لم يقتصر الدمار على البشر، بل طال البنية التعليمية والثقافية. فقد قُتل معلمون وأطباء ومهندسون وأكاديميون في منازلهم، وتعرضت جامعات القطاع لخسائر كبيرة في كوادرها وباحثيها، بعضهم حائز على جوائز دولية.

كما وثّق التقرير تدمير مكتبات عامة وخاصة، والعبث بمحتويات جامعات ومؤسسات ثقافية تضم مخطوطات وأطروحات أكاديمية. وتداول ناشطون مقاطع تُظهر إحراق كتب لاستخدامها وقوداً بعد نفاد مصادر الطاقة.

وطال التدمير معالم تاريخية ودينية بارزة، من بينها الجامع العمري الكبير، الذي يُعد أحد أقدم رموز غزة، إضافة إلى كنيسة القديس برفيريوس التي تعرضت لقصف في أكتوبر 2023، ما أدى إلى سقوط مدنيين كانوا قد احتموا بها.

تدهور بيئي وصحي واسع

ويتناول التقرير كذلك الأثر البيئي، مشيراً إلى تدمير مساحات زراعية واسعة كانت تشكل مصدراً أساسياً للغذاء، بما فيها محاصيل الخضراوات والفواكه والحمضيات التي اشتهرت بها غزة.

وأدى انقطاع الكهرباء والوقود إلى لجوء السكان لحرق مواد بلاستيكية وبدائية للتدفئة والطهي، ما تسبب بانبعاثات سامة.

 كما تعطلت شبكات الصرف الصحي وتراكمت النفايات الصلبة، وتحولت بعض المناطق إلى مكبات ضخمة، وسط مخاوف من تلوث التربة والمياه الجوفية والبحر.

ويحذر التقرير من تداعيات طويلة الأمد على الصحة العامة والتنوع البيولوجي، في ظل انهيار منظومة الرقابة الصحية والغذائية.

تدنيس المقابر وملاحقة الموتى

ويتطرق التقرير إلى ما وصفه بتدنيس المقابر، عبر تجريفها واستخراج رفات، في مشاهد أثارت صدمة واسعة. ويشير إلى أن هذه الممارسات، إلى جانب الدمار الواسع والنزوح الجماعي والمجاعة، تعكس – بحسب توصيفه – مساراً منهجياً متعدد الأوجه للدمار في القطاع.

ويخلص التقرير إلى أن ما جرى في غزة لم يكن مجرد عمليات عسكرية محدودة، بل عملية تدمير شاملة مست مختلف جوانب الحياة: الإنسانية والاجتماعية والثقافية والبيئية. ونتج عن ذلك نزوح جماعي واسع، وتفكك في الروابط الأسرية والمجتمعية التي شكلت على مدى عقود عماد الحياة في القطاع.