من غزة إلى إيران

حين تُقصف المدارس… العدو واحد والطفولة هي الهدف

الرسالة نت - خاص



منذ اللحظة الأولى للهجوم الإسرائيلي على إيران، بدا المشهد مألوفًا لنا نحن الفلسطينيين حدّ الوجع. قصفٌ إسرائيلي يطال مدرسةً للبنات، وصفوفٌ دراسية تتحول إلى ركام، وأسماءُ طفلاتٍ ترتفع سريعًا في قوائم الشهيدات حتى تجاوز العدد المئة، وفق ما أعلنته الجهات المحلية هناك.

لم يكن الخبر غريبًا على ذاكرة غزة. نحن الذين رأينا مدارسنا تُقصف، وحقائب أطفالنا تُنتشل من تحت الغبار، نعرف هذا المشهد جيدًا. (إسرائيل)، في كل عدوانٍ تشنه، تجعل من الطفولة أول ضحاياها. هكذا تبدأ حروبها: بسماءٍ مفتوحة على رؤوس الصغار، وبمدرسةٍ تتحول إلى عنوان دم.

حين يكون أول مشهد في أي هجوم هو مدرسة، فإن الرسالة واضحة بالنسبة لنا: هذا هو وجه الاحتلال الذي عرفناه طويلًا — قوة عسكرية لا تتورع عن أن تجعل الأطفال في دائرة النار، وتضع الصف الدراسي في بنك أهدافها.

لم تكن المدرسة في غزة يومًا مجرد مبنى تعليمي، كما لم تكن مدرسة البنات في جنوب إيران مجرد صفوفٍ دراسية. في الحالتين، تحوّل المكان الذي يفترض أن يحمي الطفولة إلى ساحة استهداف من قبل (إسرائيل)، والنتيجة واحدة: أطفال تحت الأنقاض.

في غزة، وثّقت تقارير أممية وحقوقية خلال السنوات الماضية استهداف مدارس — بعضها كان يؤوي نازحين — خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية. صور الحقائب الممزقة، والمقاعد المقلوبة، ودفاتر الرياضيات المغطاة بالغبار، أصبحت مشهدًا متكررًا في كل جولة تصعيد. عشرات الأطفال قُتلوا أو أُصيبوا داخل ساحات يُفترض أنها آمنة.

وفي إيران، أثار قصف مدرسة للبنات في مدينة ميناب — وفق روايات إعلامية إيرانية — موجة غضب واسعة، حيث تحدثت تقارير عن سقوط عدد كبير من الطالبات بين قتيلة وجريحة. ورغم اختلاف الروايات حول تفاصيل الهجوم، إلا أن المشهد كان مألوفًا: فصل دراسي يتحول فجأة إلى موقع إسعاف، وأهالٍ يبحثون بين الركام عن بناتهم.
المشترك بين الحالتين لا يقتصر على سقوط ضحايا من الأطفال، بل يتعداه إلى سؤال أوسع: لماذا تتحول المدارس إلى مسرحٍ للنار في الحروب التي تقودها (إسرائيل) أو تُنسب إليها؟

خبراء القانون الدولي يشيرون إلى أن استهداف منشآت تعليمية — ما لم تُستخدم لأغراض عسكرية مباشرة — يُعد خرقًا خطيرًا لقوانين الحرب. ومنظمات حقوقية طالبت مرارًا بالتحقيق في ضربات طالت مدارس في غزة، معتبرة أن تكرار المشهد يثير مخاوف جدية بشأن حماية المدنيين، خصوصًا الأطفال.

في غزة، تقول العائلات إن المدرسة كانت آخر ما تبقى من مظاهر الحياة الطبيعية. وفي إيران، تكررت العبارة ذاتها: "لم يكن في المدرسة سوى أطفال".

منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، تحولت المدارس إلى أهدافٍ مباشرة للنار. تشير تقارير أممية وحقوقية إلى أن أكثر من 200 منشأة تعليمية تعرضت للقصف أو التدمير، فيما تضرر ما يقارب 90% من مباني المدارس في القطاع بين تدمير كلي وجزئي.

أما الكلفة البشرية فكانت أكثر قسوة: فقد استشهد آلاف الطلبة، تجاوز عددهم 5,000 طالب في الأشهر الأولى من الحرب، مع ارتفاع الأرقام لاحقًا مع استمرار القصف، إضافة إلى مئات المعلمين والإداريين الذين قضوا تحت القصف أثناء أداء واجبهم التعليمي.

قد تختلف الجغرافيا، لكن صور الدفاتر الملطخة بالدم لا تختلف. حين تُستهدف مدرسة، لا يكون الحدث عابرًا. إنه يترك أثرًا طويل الأمد في مجتمعٍ كامل، ويعيد طرح السؤال الأخلاقي والسياسي حول حدود القوة العسكرية ومعنى الردع عندما يكون الأطفال في دائرة النار.
من غزة إلى إيران، لا تختلف طريقة القتل لأنها ببساطة لعدو واحد: (إسرائيل).