اعتداءات المستوطنين في الضفة.. إرهاب منظم تحت حماية الجيش

الرسالة نت- خاص

تعيش مدن وقرى الضفة الغربية تصاعدا غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين، في مشهد بات يتكرر بشكل شبه يومي، ويطال البشر والحجر على حد سواء.

ولم تعد هذه الهجمات تُصنف كحوادث فردية معزولة، بل تحولت إلى نمط منظم يجري تنفيذه في وضح النهار ويستهدف تكريس واقع أمني وسياسي جديد على الأرض.

ويؤكد فلسطينيون أن هذه الاعتداءات تجري تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال، الذي يتدخل في كثير من الحالات لتأمين المعتدين أو لقمع الفلسطينيين في حال دفاعهم عن أنفسهم.

وبحسب مراقبين، يعكس هذا الواقع تكاملا في الأدوار بين المنظومة العسكرية وسلطات الاحتلال، بما يخدم تعميق الاستيطان وتسريع مخططات الضم الفعلي للضفة الغربية.

ويتزامن هذا التصعيد مع تحوّل لافت في وتيرة وشكل ما يُعرف بـ"إرهاب المستوطنين"، الذي بات يحظى بغطاء سياسي علني من وزراء في حكومة الاحتلال اليمينية، ويوفر له دعما تشريعيا وماليا، في سياق إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والجغرافية للضفة.

تصعيد ميداني

وخلال شهر رمضان، كثّفت إسرائيل اقتحاماتها للمدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية، وفق ما يؤكده سكان محليون، حيث لم تعد العمليات تقتصر على ساعات الليل، بل امتدت إلى ساعات النهار، ما فاقم من حالة التوتر وأثر على الحياة اليومية للفلسطينيين.

وفي هذا السياق، اقتحم جيش الاحتلال قرية الدير جنوب شرق بيت لحم، وتمركز بين منازل المواطنين قبل أن يسلّم إخطارات بهدم ستة منازل، معظمها مأهول، بذريعة "البناء دون ترخيص"، بحسب مصادر محلية.

ويشير فلسطينيون إلى أن الحصول على تراخيص بناء في مناطق واسعة من الضفة يكاد يكون مستحيلا، ما يجعل هذه الذريعة أداة إضافية للضغط والتهجير.

ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذت إسرائيل خلال يناير/ كانون الثاني الماضي 59 عملية هدم طالت 126 منشأة فلسطينية، بينها 77 منزلا مأهولا، إضافة إلى إصدار 40 إخطار هدم، تركز معظمها في محافظة الخليل.

وتعد هذه الأرقام مؤشرا على تصاعد منهجي في استهداف الوجود الفلسطيني، لا سيما في المناطق المصنفة (ج).

وبلغ عنف المستوطنين الأيديولوجي ضد الفلسطينيين مستويات غير مسبوقة خلال العامين الأخيرين، مع تسجيل هجمات شبه يومية استهدفت السكان وممتلكاتهم في مختلف أنحاء الضفة والأغوار.

وتشمل هذه الاعتداءات إحراق منازل ومركبات وتخريب أراضٍ زراعية والاعتداء الجسدي وإطلاق النار على المدنيين.

وترصد مؤسسات حقوقية محلية ودولية ما تصفه بـ"تواطؤ" الجيش، بل ومساندته في بعض الأحيان لهذه الهجمات، سواء عبر تأمين محيط الاعتداءات أو منع وصول طواقم الإسعاف والصحفيين، أو عبر اعتقال فلسطينيين حاولوا الدفاع عن أنفسهم.

ويرى مراقبون أن هذا المشهد يعكس انتقال سياسة الاستيطان من التوسع الصامت إلى فرض الوقائع بالقوة، في ظل بيئة سياسية إسرائيلية أكثر يمينية تدفع باتجاه تسريع الضم الفعلي للضفة.

هجوم قريوت

بدورها، اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن هجوم المستوطنين على بلدة قريوت جنوب نابلس، الاثنين، يمثل "إرهابا منظما"، محذرة من أن هذا التصعيد يأتي في سياق خطة تهدف إلى فرض الضم وتهجير الفلسطينيين بالقوة.

وكان الهجوم قد أسفر، وفق بيان لوزارة الصحة الفلسطينية، عن مقتل فلسطينييْن وإصابة ثلاثة آخرين برصاص مستوطنين.

وقال القيادي في الحركة عبد الرحمن شديد، إن ما جرى يشكل جريمة منظمة نُفذت تحت حماية قوات الاحتلال، ويعكس تصعيدا خطيرا في سياسة إطلاق يد المستوطنين للاعتداء على الفلسطينيين.

وأدان ما وصفه بـ "تغول المستوطنين بغطاء رسمي"، معتبرا أن هذه الاعتداءات تمثل إرهابا ممنهجا يستهدف السكان وممتلكاتهم لفرض وقائع جديدة على الأرض.

وحذر شديد من خطورة المرحلة، داعيا إلى تعزيز لجان الحماية الشعبية والتصدي لاعتداءات المستوطنين، وعدم ترك القرى والبلدات عرضة لهجماتهم المتكررة.

ومنذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تصاعدت اعتداءات الجيش والمستوطنين في الضفة الغربية، بما فيها القدس، لتشمل عمليات قتل واعتقال واسعة وهدم منازل ومنشآت وعمليات تهجير قسري إلى جانب تسارع وتيرة التوسع الاستيطاني.

وأسفرت هذه الاعتداءات عن استشهاد ما لا يقل عن 1117 فلسطينيا، وإصابة نحو 11.5 ألف آخرين، إضافة إلى اعتقال قرابة 22 ألف شخص، وفق معطيات فلسطينية.

ويحذر فلسطينيون من أن هذه السياسات تمهد لإعلان رسمي بضم الضفة الغربية، ما يعني تقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة وفق قرارات الأمم المتحدة.

وتشير بيانات حركة "السلام الآن" الإسرائيلية المناهضة للاستيطان إلى وجود أكثر من 149 مستوطنة رسمية في الضفة الغربية، إضافة إلى 224 بؤرة استيطانية ومزرعة رعوية ونقاط استيطان غير رسمية.

ويرى متابعون أن التوسع في هذه البؤر، بالتوازي مع الاعتداءات الميدانية، يشكل أداة ضغط ميدانية لفرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلا.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة مفصلية، تتداخل فيها الاعتداءات الميدانية مع القرارات السياسية، ضمن مسار يعمّق السيطرة الاستيطانية ويعيد رسم ملامح الأرض والسكان.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير