قائمة الموقع

مصغرات فنية عن الإبادة ... شهادة بصرية عن حياة يومية تحت النار

2026-03-07T15:34:00+02:00
الرسالة نت - متابعة


في غرفةٍ صغيرة تضيق بالأدوات والذكريات، ينحني الفنانان يزن شاهين ومحمد النجار فوق طاولة خشبية تحولت إلى مدينةٍ كاملة. مدينةٌ مصغّرة لا يتجاوز طولها بضعة أمتار، لكنها تحمل في تفاصيلها حكاية غزة كلها؛ بيوتها المدمرة، خيام النزوح المتلاصقة، شاطئ البحر الذي يجاور الدبابات، وطائراتٍ صغيرة تحوم في السماء كأنها لا تغادر المكان.

ليست هذه مجرد مجسمات فنية، بل ذاكرة مصغّرة للحرب. بيوتٌ بلا أسقف، شوارعٌ متشققة، خيامٌ كثيرة تمتد كأنها مخيمات صمود لعشرات آلاف النازحين، وأطفالٌ صغار صُنعت ملامحهم من الطين والورق ليحكوا قصة الجوع والخوف والانتظار. كل قطعة في هذه المدينة الصغيرة تحمل ذكرى: ليلة قصف، بيت انهار، أمّ تبحث عن خبز، أو طفل ينام في خيمة قرب البحر.

يقول محمد النجار وهو يثبت قطعة كرتون تحولت إلى جدار بيتٍ مهدّم:
"البداية كانت صعبة جداً. المواد الخام شبه غير موجودة، وما يتوفر منها يكون مرتفع الثمن. كنا نجمع الكرتون وبقايا الخشب وقطع البلاستيك لنصنع منها مدينة كاملة".

لم تكن الفكرة مجرد عمل فني، بل محاولة لإنقاذ الذاكرة من الضياع. فكل بيتٍ في هذه المجسمات يشبه بيتاً حقيقياً دُمّر، وكل خيمة تحاكي خيمة حقيقية يقيم فيها نازحون، وكل دبابة صغيرة تذكّر بالآليات التي اقتحمت الأحياء وغيّرت شكل الحياة.

الفنانة وعد الهمص شاركت أيضاً في تشكيل هذه المدينة المصغّرة، مضيفةً تفاصيل دقيقة جعلت المشهد أقرب إلى الواقع: حبال غسيل بين الخيام، قوارب صغيرة على الشاطئ، وأزقة ضيقة تلتف بين البيوت المهدمة. ومع كل إضافة، كانت المدينة الصغيرة تقترب أكثر من صورة غزة الحقيقية.

لم تعد الطاولة مجرد مكان للعمل، بل أصبحت معرضاً لذاكرة الحرب. يقف الزوار أمام المجسمات طويلاً، يحدقون في تفاصيلها كأنهم ينظرون من الأعلى إلى مدينة حقيقية. بعضهم يتعرف على أحياءٍ تشبه أحياءه، وبعضهم يتوقف عند خيمةٍ تشبه خيمته.

يقول يزن شاهين إن الهدف لم يكن الجمال الفني فقط، بل توثيق اللحظة: "هذه ليست مجسمات للزينة. هي شهادة بصرية عن حياة يومية تحت النار. أردنا أن يرى العالم كيف تبدو غزة عندما تُختصر في مدينة صغيرة، لكنها تحمل كل هذا الألم".

في النهاية، تبدو هذه المدينة المصغّرة وكأنها تختصر واقعاً أكبر بكثير من حجمها. فوق طاولة واحدة، اجتمعت بيوت مهدمة وخيام نزوح وشاطئ بحر ودبابات وطائرات. تفاصيل صغيرة، لكنها تقول الحقيقة الكبيرة: أن حياة كاملة يمكن أن تتحول إلى مجسمات، بينما تبقى الذاكرة أكبر من أي طاولة.

اخبار ذات صلة