تشهد مدينة القدس تصعيدًا غير مسبوق في الإجراءات الإسرائيلية بحق المسجد الأقصى، مع استمرار إغلاقه الكامل لليوم العاشر على التوالي خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، في خطوة وُصفت بأنها سابقة تاريخية تحرم المسلمين من شعائر الاعتكاف لأول مرة منذ سنوات طويلة، وتمنع إقامة صلاة التراويح في أكثر أيام الشهر الفضيل قدسية.
ويأتي هذا الإغلاق في وقت اعتاد فيه آلاف الفلسطينيين والمسلمين شدّ الرحال إلى المسجد الأقصى خلال العشر الأواخر من رمضان، حيث تمثل هذه الأيام ذروة العبادة والرباط في المسجد، وتُقام فيها شعائر الاعتكاف التي تعد من أبرز المظاهر الدينية المرتبطة بالشهر الفضيل.
وتواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد الأقصى بالكامل منذ بدء الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، مبررة ذلك بإعلان "حالة الطوارئ والسلامة العامة"، في حين يؤكد مقدسيون أن هذه الإجراءات تطبق على المسجد الأقصى فقط، بينما تستمر الحياة بشكل طبيعي في بقية أنحاء المدينة، بما في ذلك الأسواق والمناطق العامة، في الوقت الذي يحتفل فيه المستوطنون في القدس بعيد "البوريم – المساخر" دون قيود تذكر.
إغلاق الأقصى عدوان وعمل حربي
وأكدت مؤسسة القدس الدولية أن إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمسجد الأقصى يمثل "عدوانًا مبيتًا وعملًا حربيًا لا يمكن الصمت أمامه"، محذرة من أن هذه الخطوة تأتي في سياق مساعٍ لفرض سيادة إسرائيلية على المسجد وانتزاع قرار فتحه وإغلاقه من إدارة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن.
وأوضحت المؤسسة في بيان لها أن الاحتلال يمضي نحو فرض سابقة جديدة في المسجد الأقصى، حيث تُعد هذه المرة الأولى التي تُمنع فيها صلاة التراويح في الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان منذ احتلال القدس عام 1967.
واعتبرت المؤسسة أن ذريعة "السلامة العامة" التي يستخدمها الاحتلال لتبرير الإغلاق هي ذريعة "ساقطة"، مشيرة إلى أن سكان القدس والضفة الغربية لا يمتلكون ملاجئ في بيوتهم أو في شوارعهم وأماكن عملهم، ومع ذلك تستمر حياتهم اليومية بشكل طبيعي خارج المسجد الأقصى.
وأضافت أن المسجد الأقصى يحتوي على مصليات في التسويات مثل المصلى المرواني والأقصى القديم، وهي أماكن قادرة على استيعاب آلاف المصلين وتوفر مستوى من الحماية يفوق العديد من الملاجئ، ما يؤكد أن الهدف الحقيقي من الإغلاق هو فرض واقع سياسي وديني جديد داخل المسجد.
ورأت المؤسسة أن هذه الإجراءات تمثل محاولة لعزل المسجد الأقصى عن المصلين في أكثر شهور العام قدسية، وتهيئة الأجواء لخطوات تهويد أشد خطورة بعد إعادة فتحه.
وفي ذات السياق، يرى رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد والتهجير ناصر الهدمي أن إقدام سلطات الاحتلال على منع إقامة شعائر العشر الأواخر في المسجد الأقصى يشكل سابقة تاريخية خطيرة في مسار الاعتداءات المتواصلة على المسجد. ويوضح أن هذه الفترة من رمضان كانت تمثل على الدوام ذروة التوافد إلى الأقصى، وتحمل خصوصية دينية وروحية كبيرة لدى المسلمين، حيث يحرص آلاف المصلين على الاعتكاف داخل المسجد وإحياء لياليه بالصلاة والعبادة.
ويضيف الهدمي أن الاحتلال لم يكتفِ بمنع الاعتكاف، بل أغلق أبواب المسجد بشكل كامل ومنع حتى الموظفين والحراس من أداء الصلاة داخله، تحت ذريعة الإغلاقات العامة المرتبطة بظروف الحرب، الأمر الذي يعكس تصعيدًا غير مسبوق في السياسات الإسرائيلية تجاه المسجد.
ويحذر الهدمي من أن المؤشرات والإجراءات الأمنية الإسرائيلية القائمة تمهد لمنع المصلين من الاعتكاف في الأقصى خلال الأيام المقبلة، وهو ما لم يحدث في تاريخ المسجد منذ احتلال القدس عام 1967، مشددًا على أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكًا صارخًا لحرية العبادة وحق المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية.
ويؤكد أن هذه السياسات لا يمكن فصلها عن مساعٍ إسرائيلية أوسع لفرض السيطرة الكاملة على المسجد الأقصى، وطمس معالمه الدينية وطقوسه الإسلامية، ومحاولة فرض سيادة إسرائيلية عليه، ونزع كل ما يتعلق بإدارة الأوقاف الإسلامية والإشراف على الشعائر الدينية داخله.
ويقول الهدمي إن إغلاق المسجد في هذه الأيام المباركة يعكس محاولة واضحة لكسر حالة الارتباط الروحي والوجداني بين المسلمين والأقصى، وفرض واقع جديد بالقوة يستند إلى الإجراءات الأمنية المشددة وسياسة فرض الأمر الواقع.
وفي مواجهة هذا الإغلاق، أطلق ناشطون ومجموعات شبابية مقدسية دعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي للصلاة على أبواب المسجد الأقصى تحت شعار: "إن حُرمت من الصلاة فيه فصلِّ على بابه"، في محاولة لكسر العزلة المفروضة على المسجد والتأكيد على تمسك الفلسطينيين بحقهم في الصلاة داخله.ودعت مؤسسة القدس الدولية الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم إلى الضغط من أجل فتح المسجد الأقصى واستعادة الصلاة فيه، كما طالبت شعوب الأمة العربية والإسلامية بتنظيم صلوات التراويح في الساحات العامة تضامنًا مع الفلسطينيين الممنوعين من الوصول إلى المسجد.
كما طالبت المؤسسة الأردن بإعلان موقف واضح وصريح يرفض إغلاق المسجد الأقصى، باعتباره الجهة المشرفة على الأوقاف الإسلامية في القدس، داعية في الوقت نفسه قادة الدول العربية والإسلامية ومنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية إلى تحمل مسؤولياتهم التاريخية تجاه ما يتعرض له المسجد من تهويد وانتهاكات.
ويحذر مراقبون من أن استمرار إغلاق المسجد الأقصى خلال العشر الأواخر من رمضان يمثل تحولًا خطيرًا في سياسات الاحتلال تجاه المقدسات الإسلامية في القدس، ويهدد بفرض واقع جديد يكرس السيطرة الإسرائيلية على المسجد، في وقت يؤكد فيه الفلسطينيون أن الأقصى سيبقى رمزًا دينيًا وسياسيًا لا يمكن عزله عن محيطه الإسلامي مهما تصاعدت إجراءات الاحتلال.