لم تكن غزة بالنسبة للدكتور مصعب ناصر مجرد مكانٍ وُلد فيه. كانت أكثر من ذلك بكثير؛ كانت البوصلة التي تعيده دائمًا إلى نقطة البداية، مهما ابتعدت به المسافات ومهما ارتفعت به الدرجات العلمية في جامعات العالم ومراكز الأبحاث وشركات الطاقة الكبرى.
في بيت حانون شمال قطاع غزة، وُلد مصعب ناصر عام 1975. هناك، في مدينةٍ صغيرة تطل على البحر وتعيش تحت الحصار والحروب المتكررة، كبر الفتى الذي كان يقضي ساعات طويلة يحدّق في السماء ويسأل عن أسرار الكون.
لم تكن الطريق سهلة. فالحياة في غزة كانت محاطة دائمًا بالعقبات، لكن مصعب كان يرى في العلم طريقًا للخروج من الدائرة الضيقة.
في بداية مسيرته الجامعية التحق ببرنامج علوم الحاسوب في جامعة القدس – أبو ديس في الضفة الغربية، لكن الإغلاقات العسكرية خلال الانتفاضة حالت دون استكمال دراسته. اضطر للعودة إلى غزة، ليبدأ من جديد في الجامعة الإسلامية حيث اختار دراسة الفيزياء.
ومن غزة بدأت رحلته إلى العالم.
حصل على منحة دولية في إيطاليا لدراسة الماجستير في الفيزياء النظرية، ضمن برنامج تنافس عليه آلاف الطلبة من مختلف دول العالم، ولم يُقبل فيه سوى عشرات الطلاب فقط. كانت تلك اللحظة بداية انتقاله من مختبرات غزة المحدودة الإمكانات إلى مراكز علمية عالمية.
لاحقًا انتقل إلى النرويج ليكمل درجة الدكتوراه في فيزياء الفلك، قبل أن يبدأ العمل في قطاع الطاقة العالمي.
خلال سنوات عمله، شارك في مشاريع علمية وصناعية ضخمة في عدة قارات، وعمل ضمن فرق بحثية في شركات طاقة دولية كبرى مثل شركة شل، وشارك في مشاريع تنقيب عن النفط والغاز في خليج المكسيك والولايات المتحدة وأفريقيا وأمريكا الجنوبية.
تخصص ناصر في مجال فيزياء الصخور، وهو علم يساعد على فهم الطبقات الجيولوجية العميقة وتطوير تقنيات اكتشاف النفط والغاز. وبفضل خبرته أصبح جزءًا من مشاريع تصل قيمتها إلى مئات ملايين الدولارات في قطاع الطاقة.
لكن رغم النجاح العلمي والمهني، بقيت غزة حاضرة في قلبه.
فالعالم الذي خرج من مدينة محاصرة لم ينسَ أن هناك مستشفيات تفتقر إلى الأجهزة، ومرضى ينتظرون عمليات قد لا تتوفر إمكاناتها داخل القطاع.
لهذا قرر أن يعود بطريقة مختلفة.
شارك في مبادرات إنسانية لدعم القطاع الصحي في غزة، وساهم في تنظيم بعثات طبية أجرت 153 عملية جراحية خلال 5 أيام فقط داخل القطاع، كما ساعد في جمع ملايين الدولارات لتوفير أجهزة طبية ودعم المستشفيات.
بالنسبة له، لم تكن هذه الأرقام مجرد إنجازات، بل حكايات حياة حقيقية لمرضى وجدوا فرصة للعلاج.
يقول المقربون منه إن غزة لم تكن بالنسبة له مجرد ذكرى بعيدة، بل طوق النجاة الذي يذكّره دائمًا بسبب كل هذا السعي.
فالفتى الذي كان ينظر إلى السماء في بيت حانون قبل سنوات طويلة، أصبح اليوم عالمًا يعمل في مشاريع عالمية، لكنه ما زال يؤمن أن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه الإنسان ليس فقط اكتشافًا علميًا، بل القدرة على أن يعود بعلمه وخبرته ليخفف ألم الناس.
وهكذا، بعد رحلة امتدت لعقود بين الجامعات العالمية ومشاريع الطاقة الكبرى، ظل الطريق ينتهي دائمًا في المكان ذاته.
غزة.
المكان الذي خرج منه… والمكان الذي عاد إليه، لأنّه بقي طوق النجاة الذي لا يمكن الفكاك منه.