تمر الأوضاع الإنسانية والمعيشية في قطاع غزة بتدهور متسارع في ظل التراجع الحاد في كميات المساعدات والبضائع الواردة إلى القطاع، الأمر الذي أدى إلى اختفاء العديد من السلع الأساسية من الأسواق وارتفاع أسعار المتوفر منها إلى مستويات غير مسبوقة.
ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه غالبية سكان القطاع بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، في ظل انهيار واسع في القدرة الشرائية وتراجع مصادر الدخل.
ويؤكد مسؤولون ومؤسسات محلية أن ما يجري في غزة يمثل هندسة إسرائيلية ممنهجة لسياسة التجويع عبر ما يعرف بـ "تقطير المساعدات"، حيث تسمح إسرائيل بعبور أعداد محدودة للغاية من الشاحنات مقارنة بالاحتياجات الفعلية للسكان.
ويشير هؤلاء إلى أن فتات الشاحنات التي يسمح الاحتلال بمرورها بات السبب الرئيس للأزمة الإنسانية المتفاقمة في القطاع، ما يدحض الرواية الإسرائيلية التي تزعم إدخال كميات كافية من المساعدات والبضائع، في حين أن ما يصل فعليا لا يمثل سوى نقطة في بحر الاحتياجات المتزايدة.
تحذيرات متزايدة
وتحذر مؤسسات دولية وأممية من أن الأزمة الإنسانية في غزة لم تعد ظرفا طارئا أو مؤقتا، بل تحولت إلى كارثة إنسانية ممتدة ومتعددة الأبعاد تمس الأمن الغذائي والصحي والمعيشي لملايين السكان، في ظل النقص الكبير في الشاحنات التي تدخل لصالح المؤسسات الدولية.
وفي هذا السياق تتصاعد الدعوات للمجتمع الدولي والمؤسسات الأممية لتحمل مسؤولياتها والضغط من أجل إدخال المساعدات بكميات كافية، وإغاثة مئات آلاف النازحين الذين يواجهون الغلاء ونقص الغذاء واستمرار النزوح في ظل كارثة إنسانية تتفاقم يوما بعد آخر.
بدوره، قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، إن المعابر لم تعمل خلال الفترة الماضية إلا بشكل محدود للغاية، مشيرا إلى أن ما دخل إلى غزة لا يتجاوز جزءاً يسيرا من الاحتياجات الفعلية.
وأوضح الثوابتة أن القطاع لم يستقبل سوى 640 شاحنة مساعدات من أصل 6000 شاحنة كان يفترض دخولها خلال الفترة الأخيرة وفق التفاهمات القائمة، أي بنسبة لا تتجاوز 10% من الاحتياج الفعلي.
وأضاف أن هذه الأرقام تعكس فجوة كبيرة بين الاحتياجات الإنسانية المتزايدة في القطاع وبين حجم الإمدادات التي تسمح إسرائيل بدخولها، الأمر الذي يضع القطاعات الحيوية أمام تحديات كبيرة في توفير الخدمات الأساسية للسكان. وبحسب معطيات رسمية، فإن هذه التطورات تأتي ضمن نمط متكرر من عدم الالتزام بالتفاهمات المتعلقة بتسهيل إدخال المساعدات إلى غزة.
في حين، قال عضو الهيئة التنسيقية لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية محسن أبو رمضان إن سلطات الاحتلال تمارس سياسة المماطلة في تنفيذ استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في محاولة لفرض شروط سياسية وأمنية جديدة، محذرا من أن استمرار هذا النهج يفاقم الأزمة الإنسانية ويهدد بانهيار التفاهمات القائمة.
وأوضح أبو رمضان أن حكومة الاحتلال تتعمد إبطاء تنفيذ بنود الاتفاق، خصوصا ما يتعلق بالانتقال إلى المرحلة التالية من التفاهمات، مشيرا إلى أن هذا السلوك يهدف إلى إبقاء قطاع غزة تحت ضغط سياسي وإنساني مستمر.
وأضاف: "قطاع غزة دخل منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مرحلة من الجمود فيما يتعلق بتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
ورأى أبو رمضان أن إسرائيل تحاول توظيف ملف الأسرى والاعتبارات الأمنية لفرض شروط جديدة لم تكن جزءا من الاتفاق الأصلي، الأمر الذي يعرقل مسار التهدئة ويطيل أمد الأزمة.
وأشار إلى أن سياسة التعطيل الإسرائيلية تنعكس مباشرة على الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، حيث لا يزال القطاع يعاني من نقص حاد في المساعدات والمواد الأساسية، إلى جانب القيود المشددة على حركة البضائع والوقود، ما يفاقم معاناة السكان في ظل الدمار الواسع للبنية التحتية وتراجع القدرة الاقتصادية للسكان.