حالة غلاء غير مسبوقة في أسعار السلع الأساسية تعيشها الأسواق الغزية منذ اندلاع الحرب، في ظل تراجع كبير في كميات البضائع التي يسمح بدخولها عبر المعابر.
ومع تقلص الإمدادات وازدياد الطلب، ظهرت ظاهرة ما يعرف بـ "تنسيقات التجار" كأحد العوامل التي تؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة وأسعار السلع داخل الأسواق المحلية.
ويشير مختصون اقتصاديون إلى أن هذه التنسيقات، التي تمثل تصاريح أو أذونات لإدخال البضائع إلى قطاع غزة، تحولت في كثير من الحالات إلى سلعة بحد ذاتها يتم بيعها وشراؤها بين التجار مقابل مبالغ مالية كبيرة، ما يؤدي إلى تحميل تكلفتها في نهاية المطاف على أسعار السلع التي تصل إلى المستهلكين.
وفي ظل اعتماد سكان القطاع على الأسواق المحلية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، ومع ضعف القدرة الشرائية وتراجع مصادر الدخل، أصبح تأثير هذه التنسيقات واضحا في تضخم الأسعار وازدياد معاناة المواطنين، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة حول آليات إدخال البضائع ومدى انعكاسها على الأوضاع المعيشية للسكان.
كيف تتم؟
ويقول مصدر في وزارة الاقتصاد في غزة إن عملية التنسيق لإدخال البضائع تمر بعدة مراحل، تبدأ بحصول التاجر على إذن أو تنسيق رسمي لإدخال بضائع عبر المعابر من الجانب الآخر وهو إجراء أصبح شرطا أساسيًا لإدخال السلع إلى القطاع في ظل القيود المفروضة على حركة التجارة.
وأوضح المصدر أن هذا الإذن لا يستخدم دائما من التاجر الذي حصل عليه، إذ يتم في كثير من الأحيان بيع التنسيق لتاجر آخر أو لمجموعة من التجار مقابل مبالغ مالية كبيرة.
وبذلك يتحول التنسيق إلى ما يشبه "الامتياز التجاري" الذي يتيح لحامله إدخال البضائع إلى القطاع.
وأضاف أن التاجر الذي يشتري التنسيق يقوم لاحقا بإدخال البضائع باستخدام هذا الإذن، إلا أن التكلفة التي دفعها مقابل الحصول على التنسيق لا تبقى محصورة بين التجار، بل يتم تحميلها مباشرة على سعر السلعة في السوق، ما يعني أن المواطن أو المستهلك هو من يتحمل هذه التكلفة في نهاية المطاف.
وأشار المصدر إلى أن التنسيقات غالبا ما تكون محصورة بعدد محدود من التجار، حيث يبلغ عدد التجار الحاصلين عليها نحو 15 تاجرا فقط، بينهم 7 تجار داخل قطاع غزة و8 تجار خارج القطاع، وهو ما يحد من المنافسة في السوق ويجعل عملية إدخال السلع مرتبطة بعدد قليل من الجهات التجارية.
من جانبه، قال مصدر تجاري إن تكلفة التنسيق لإدخال البضائع إلى قطاع غزة مرتفعة للغاية، وقد تصل في بعض الحالات إلى أكثر من 500 ألف شيكل للتنسيق الواحد، وهو مبلغ كبير يضيف عبئا إضافيا على التاجر قبل وصول البضائع إلى السوق.
وأوضح المصدر أن مجموع الأموال التي دُفعت مقابل هذه التنسيقات خلال الفترة الماضية تجاوز مليارا وربع المليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الأموال التي يتم تداولها مقابل إدخال السلع والبضائع إلى القطاع في ظل القيود المفروضة على المعابر.
وأضاف: "هذه التكاليف لا يمكن للتجار تحملها دون انعكاسها على الأسعار، لذلك يتم توزيعها على ثمن السلع في السوق الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار المنتجات التي تصل إلى المستهلكين".
ارتفاع كبير في الأسعار
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الأسواق في قطاع غزة ارتفاعا حادا في أسعار معظم السلع الأساسية، حيث تضاعفت الأسعار بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
وتشير تقديرات محلية إلى أن أسعار العديد من السلع ارتفعت بما يتراوح بين خمسة إلى ثمانية أضعاف سعرها الطبيعي قبل اندلاع الحرب.
ويعزو تجار ومراقبون هذا الارتفاع إلى مجموعة من العوامل، أبرزها تراجع كميات البضائع التي تدخل إلى القطاع، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والتنسيقات، فضلا عن تزايد الطلب على السلع في ظل النقص المستمر في الإمدادات.
ويرى خبراء اقتصاديون أن ظاهرة تنسيقات التجار كان لها تأثير مباشر على بنية السوق في قطاع غزة، إذ ساهمت في ارتفاع كبير في أسعار السلع، ما زاد من الأعباء المعيشية على المواطنين الذين يعانون أصلا من تراجع حاد في مستويات الدخل.
كما أدت هذه الآلية إلى احتكار بعض التجار للبضائع التي تدخل إلى القطاع، نظرا لامتلاك عدد محدود منهم القدرة على الحصول على التنسيقات اللازمة لإدخال السلع، وهو ما يقلل من فرص المنافسة بين التجار في السوق.
وفي ظل هذه المعطيات، يشير محللون إلى أن ضعف المنافسة التجارية داخل الأسواق يؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع الأسعار، حيث لا تتوفر بدائل كافية أمام التجار أو المستهلكين للحصول على السلع بأسعار أقل.
ويؤكد مختصون أن التنسيق أصبح مكلفا للغاية بسبب عدة عوامل متداخلة، من بينها قلة عدد الشاحنات المسموح بدخولها يوميا إلى قطاع غزة، إلى جانب الطلب الكبير على السلع داخل القطاع في ظل النقص الحاد في الإمدادات.
كما تلعب شبكات من الوسطاء دورا في التحكم بترتيب دخول الشاحنات، ما يضيف طبقات إضافية من التكاليف على عملية إدخال البضائع.
وفي ظل هذه الظروف، تبقى أسعار السلع في قطاع غزة مرشحة لمزيد من الارتفاع ما لم تزداد كميات البضائع الداخلة إلى القطاع وتتحسن آليات تنظيم التجارة، بما يضمن تعزيز المنافسة في السوق والتخفيف من الأعباء المعيشية التي يتحملها المواطنون.
تنسيقات التجار.. تصاريح تتحول لعامل رئيس بغلاء الأسعار بغزة
الرسالة نت - خاص