في ظل التكهنات التي رافقتها منذ تشكيلها؛ حول مستقبل عملها وإمكانية قدرتها على تنفيذ المهام المناطة بها؛ لا تزال اللجنة الوطنية لإدارة غزة حبيسة الفندق المصري؛ في ظل مستقبل مجهول حول إمكانية وصولها للقطاع واستئناف عملها.
في الرابع عشر من يناير؛ أعلنت الأطراف الوسيطة عن تشكيل اللجنة؛ وحتى مرور شهرين على ذلك الموعد؛ بقيت الإجراءات مجهلة لهذه اللحظة؛ في ظل رفض إسرائيلي لوصولها للقطاع؛ وفي ظل غياب رؤية أو آلية بديلة للعمل في ظل هذا المنع.
مصادر مقربة من اللجنة؛ قالت إن مجلس السلام المشرف على عملها؛ لم ينشأ لهذه اللحظة الصندوق المالي الخاص بها؛ في ظل تسريبات تفيد بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ قد سرّب 18 مليار دولار من الصندوق لدولة الاحتلال؛ في عملية سرقة لمساعدات غزة؛ من أجل تغطية نفقات الحرب على إيران.
رئيس اللجنة د. علي شعث؛ حدد 3 عناوين رئيسية لمباشرة العمل؛ أولها تقديم إغاثة عاجلة؛ وبدائل للإيواء؛ والمباشرة في عملية الإعمار.
تكشف مصادر عليمة بأن اللجنة لم ترتبط منذ نشأتها بأي هدف عملياتي أو عسكري؛ بل إن شخصيات دولية مشاركة بمجلس السلام؛ طلبت من إدارة اللجنة التركيز على إغاثة غزة.
تبين المصادر؛ بأن المساعي ركزت على التنسيق لوصول ثلاثة شخصيات من اللجنة تعنى بالملفات الطبية والاغاثية والتعليم؛ بشكل عاجل؛ لكن هذه المساعي باءت بالفشل.
هذه المساعي ترافقت مع إجراءات سعت خلالها اللجنة لتأمين مقار بديلة لاستئناف العمل في القطاع.
مع اندلاع الحرب على ايران؛ ثمة جهل مطبق يخيم حول مستقبل اللجنة وعملها؛ ثمة معلومات يسربها المبعوث الاممي نيكولاي مالدينوف بأنها ستعمل قريبا؛ فيما لا يزال هو قابعا في منطقة بعيدة عن مقره المخصص للعمل؛ في إشارة سلبية حول إمكانية انطلاق عمل اللجنة؛ ـقول مصادر ـلـ"الرسالة".
أخرى تفيد؛ بأن مالدينوف أخبر بأن الأوضاع مجمدة؛ لحين التوصل لنتائج متعلقة بالحرب على إيران؛ نظرا لتركيز ترامب وادارته على هذه الحرب.
ثمة اختلالات أخرى تفرض نفسها على طاولة اللجنة؛ فالدول المفترض انها داعمة لمشروع اللجنة وصندوقها القومي وإعادة الاعمار؛ تمر الآن في ضائقة واستهداف مركز؛ وبعضها يقع في دائرة الحرب المباشرة؛ خاصة دولة خليجية تعهدت بتقديم دعم مالي للجنة.
في المقابل، تشير معطيات ميدانية إلى أن حالة الجمود التي تعيشها اللجنة لم تعد مرتبطة فقط بالعوائق اللوجستية أو السياسية، بل باتت تعكس غياب توافق دولي حقيقي على آلية إدارة ملف غزة في المرحلة الحالية.
ويرى مراقبون أن استمرار بقاء اللجنة خارج القطاع يضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى تشكيلها من الأساس، خاصة في ظل عدم قدرتها على ممارسة أي دور فعلي على الأرض منذ إعلانها.
كما أن غياب جدول زمني واضح لبدء العمل، يعزز من حالة الضبابية التي تحيط بمستقبلها، ويزيد من الشكوك بشأن قدرتها على تجاوز العقبات المفروضة.
في السياق ذاته، تؤكد مصادر مطلعة أن الخلافات غير المعلنة بين الأطراف الراعية للجنة ساهمت بشكل كبير في تعطيل انطلاقتها، خاصة فيما يتعلق بملف الصلاحيات وآليات اتخاذ القرار.
وتلفت هذه المصادر إلى أن بعض الأطراف الدولية تسعى لإعادة صياغة دور اللجنة بما يتناسب مع متغيرات المشهد الإقليمي، وهو ما أدى إلى تأخير حسم العديد من الملفات الأساسية.
في غضون ذلك، لا تزال الاحتياجات الإنسانية في قطاع غزة تتفاقم، وسط غياب أي تدخل فعلي من اللجنة التي كان يُعوّل عليها في التخفيف من معاناة السكان.
وتبرز أزمة الإيواء كواحدة من أخطر التحديات، في ظل استمرار تدمير البنية التحتية وعدم توفر بدائل كافية للمتضررين.
كما يواجه القطاع نقصًا حادًا في الخدمات الصحية، في وقت لم تتمكن فيه اللجنة من إدخال أي دعم طبي يُذكر حتى الآن.
أما في قطاع التعليم، فقد تفاقمت الأزمة مع استمرار تعطّل العملية التعليمية، دون وجود خطط واضحة لمعالجة هذا الملف الحيوي.
وفي ظل هذه الأوضاع، تتزايد التساؤلات حول مصير مشاريع إعادة الإعمار التي كانت أحد أبرز أهداف تشكيل اللجنة.
ويرى محللون أن ربط عمل اللجنة بتطورات إقليمية كبرى، مثل الحرب على إيران، قد أدخلها في دائرة التعطيل غير المباشر.
كما أن تركيز الإدارة الأمريكية على أولويات أخرى، ساهم في تراجع ملف غزة على سلم الاهتمامات الدولية.
في هذا الإطار، تبدو اللجنة وكأنها رهينة حسابات سياسية معقدة، تتجاوز قدرتها الذاتية على التحرك أو اتخاذ القرار.
وتشير تقديرات إلى أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى فقدان الثقة الشعبية بأي جسم إداري جديد يُطرح لإدارة القطاع.
في المقابل، لم تصدر عن اللجنة حتى الآن أي مواقف حاسمة توضح للرأي العام طبيعة التحديات التي تواجهها أو خططها البديلة.
هذا الصمت زاد من حدة الانتقادات، خاصة في ظل حجم التوقعات التي رافقت إعلان تشكيلها.
ويرى متابعون أن غياب الشفافية في عمل اللجنة يعمّق الفجوة بينها وبين الشارع الغزي، الذي ينتظر حلولًا عاجلة لأزماته المتفاقمة.
كما أن عدم وجود تمثيل فعلي لها داخل القطاع، يُفقدها القدرة على تقييم الاحتياجات بشكل دقيق وواقعي.
في الأثناء، تتواصل الجهود الدبلوماسية بشكل محدود لإيجاد مخرج للأزمة، دون تحقيق أي تقدم ملموس حتى الآن.
وتؤكد مصادر أن بعض الوسطاء يحاولون إعادة طرح ملف دخول اللجنة إلى غزة ضمن تفاهمات أوسع، إلا أن هذه المحاولات لم تنضج بعد.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأبرز: هل ستتمكن اللجنة من تجاوز حالة الشلل والانطلاق فعليًا، أم أنها ستظل مجرد إطار نظري دون تأثير حقيقي؟
الإجابة على هذا السؤال تبدو مرهونة بتغيرات إقليمية ودولية قد تستغرق وقتًا، في وقت لا يملك فيه سكان غزة رفاهية الانتظار.
وفي حال استمر التعطيل، فإن السيناريوهات البديلة قد تعود إلى الواجهة، بما في ذلك البحث عن صيغ جديدة لإدارة الملف الإنساني في القطاع.
ختامًا، تعكس تجربة اللجنة الوطنية لإدارة غزة حتى الآن نموذجًا معقدًا لتداخل السياسة بالعمل الإنساني، حيث تتعطل المبادرات تحت وطأة الحسابات الإقليمية والدولية.