قائمة الموقع

رحلات التهجير المقنع.. كيف يُدفع الغزيون نحو المنافي الآسيوية والأفريقية؟

2026-03-19T08:08:00+02:00
الرسالة نت - خاص


تتزايد الإدانات الفلسطينية والحقوقية للتقارير التي تتحدث عن نقل فلسطينيين من قطاع غزة إلى دول آسيوية وأفريقية، في سياق ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره جزءا من مخطط تهجير قسري يستثمر في الكارثة الإنسانية التي صنعتها إسرائيل خلال حرب الإبادة.

ولعل المسألة لم تعد تتعلق فقط بمغادرة أفراد تحت ضغط الحرب، بل بشبهة هندسة مسارات خروج جماعي تلامس جوهر المشروع الإسرائيلي القائم على تفريغ الأرض من سكانها.

وتزداد خطورة هذه التقارير مع ما تكشفه من وجود غطاء رسمي أو شبه رسمي لهذه العمليات، سواء عبر مشاركة عناصر من الاحتلال أو عبر شبكات تنسيق تسعى إلى إخفاء الصلة المباشرة بإسرائيل، بما يمنح هذه التحركات طابعا منظما يتجاوز المبادرات الفردية أو الحالات الإنسانية الطارئة. وهذا ما يدفع إلى التعامل معها بوصفها مسارا سياسيا وأمنيا يجري تمريره تحت ستار المساعدة والإغاثة.

حملات خبيثة
وفي قلب هذا المشهد، تبرز اتهامات خطيرة تتعلق بتضليل المسافرين وإجبار بعضهم على توقيع تعهدات أو وثائق تمس حقهم الأصيل في العودة، في وقت يعيش فيه سكان غزة تحت وطأة الجوع والدمار وانعدام الأفق.

ومن ثم، فإن ما يجري لا يمكن فصله عن سياسة أوسع توصف فلسطينيا بأنها شكل من أشكال التطهير العرقي والتهجير القسري، يستغل الحرب لإنتاج وقائع ديموغرافية جديدة على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية.

ولعل ردود الفعل الفلسطينية الغاضبة لم تأتِ فقط من زاوية رفض السفر تحت القصف والحصار، بل من زاوية الخشية من تحويل النزوح القسري المؤقت إلى مسار اقتلاع دائم، يُفرض على الغزيين تحت ضغط الجوع والخوف وانهيار مقومات الحياة.

وتنبع حساسية الملف من أن غزة تعيش أصلا تحت شروط قاهرة تدفع السكان إلى البحث عن أي منفذ للنجاة، وهو ما يجعل الحديث عن الاختيار الحر محل تشكيك واسع.

وكشف تحقيق لوكالة "أسوشيتد برس"، أن منظمة إسرائيلية تُدعى "عد كان" نظمت رحلات جوية نقلت فلسطينيين من قطاع غزة إلى دول خارج المنطقة، من بينها جنوب إفريقيا.

وهبطت إحدى الرحلات في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي وعلى متنها نحو 150 شخصا، وسُجلت منذ مايو/ أيار ثلاث رحلات على الأقل إلى وجهات مختلفة.
وأظهرت الوثائق، التي تشمل عقودا وقوائم ركاب ورسائل نصية وبيانات مالية، أن المنظمة اعتمدت في تنظيم الرحلات على شركة أخرى تُدعى "المجد"، بهدف إبعاد أي صلة مباشرة بإسرائيل، وبالتعاون مع أطراف متعددة، بينهم إسرائيليون وفلسطينيون.

وقال فلسطينيون غادروا غزة إنهم لم يكونوا على علم بالجهة المنظمة، مؤكدين أن الدافع الأساسي كان مغادرة القطاع بسبب الظروف الإنسانية الصعبة بعد أكثر من عامين من الحرب والدمار.

وأوضح أحد المسافرين أن انتشار الجوع والدمار في غزة دفع عائلته لاتخاذ قرار الرحيل.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية استثنائية لأنها تشير إلى أن العملية، بحسب ما ورد في التحقيق، لم تكن مجرد استجابة عفوية لأوضاع إنسانية طارئة، بل جرى ترتيبها عبر وسطاء وواجهات هدفت إلى حجب الدور الإسرائيلي المباشر.

تطهير عرقي
في المقابل، أعربت السلطات في جنوب إفريقيا عن قلقها، إذ قال وزير الخارجية رونالد لامولا إن بعض الرحلات قد تشكل جزءا من "أجندة لتطهير الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية"، وأعلنت فتح تحقيقات.

وأشار التحقيق إلى أن مؤسس "عد كان"، جلعاد آخ، دعم سابقا مقترحات لإعادة توطين الفلسطينيين خارج غزة، بما في ذلك خطة أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وزعم آخ في حديث لوكالة أسوشيتد برس، أن الرحلات كانت إنسانية وتهدف لمساعدة الراغبين في مغادرة القطاع، مشيرا إلى مساهمة بعض المسافرين بتكاليف الرحلات التي بلغت أحيانا نحو ألفي دولار للشخص.

ويعزز هذا التناقض بين التبرير الإنساني المعلن والخلفية السياسية لبعض القائمين على هذه المبادرات الشكوكَ في حقيقة الأهداف الكامنة وراءها. فحين يتبنى أشخاص أو جهات منظمة للرحلات مواقف مؤيدة لفكرة إعادة توطين الفلسطينيين خارج غزة، يصبح من الصعب فصل نشاطهم الحالي عن هذا التصور السياسي.

كما أن الحديث عن مساهمة بعض المسافرين في تغطية تكاليف الرحلات لا ينفي الطابع القسري للسياق العام، لأن الفلسطيني الخارج من تحت القصف والمجاعة لا يتصرف من موقع الاختيار الكامل، بل من موقع النجاة الفردية في بيئة فقدت كل مقومات البقاء.

وعليه، فإن التوصيف الفلسطيني لما يجري بوصفه شكلا من أشكال التطهير العرقي لا يأتي من فراغ، بل من قراءة تربط بين أدوات الحرب ونتائجها الديموغرافية.
فالتطهير العرقي لا يبدأ دائما بقرارات معلنة، بل قد يتشكل تدريجيا عبر صناعة ظروف لا تُحتمل، ثم فتح بوابات الخروج تحت مسميات مختلفة، مع السعي لاحقا إلى تثبيت هذا الخروج كأمر واقع.

وفي حالة غزة، تبدو الخطورة أكبر لأن الاستهداف لا يطال الأفراد فقط، بل يطال الرابط الوطني والقانوني الذي يشد الفلسطيني إلى أرضه وحقه في العودة وعدم التنازل عنه.

اخبار ذات صلة