الإبادة التعليمية في غزة.. مدارس مدمرة و780 ألف طالب خارج مقاعد الدراسة

غزة- الرسالة نت- خاص

بعد مرور نحو 28 شهرًا على بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لا تزال العملية التعليمية تعيش حالة انهيار شبه كامل، في ظل دمار واسع طال المدارس والجامعات، وقيود مشددة تمنع إعادة إعمارها أو إدخال المستلزمات التعليمية، ما يترك مئات آلاف الطلبة خارج التعليم النظامي.

ويقول المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن ما يجري في قطاع غزة لا يقتصر على أضرار عرضية لحقت بالمؤسسات التعليمية، بل يمثل نمطًا ممنهجًا من “الإبادة التعليمية” يستهدف تفكيك المنظومة التعليمية عبر قتل الطلبة والمعلمين وتدمير المدارس والجامعات ومنع إعادة تشغيلها.

جيل كامل خارج التعليم

تشير التقديرات إلى أن أكثر من 780 ألف طالب وطالبة في قطاع غزة محرومون من التعليم المنتظم، بعد أن تعطلت الدراسة فعليًا لثلاثة أعوام دراسية متتالية بسبب الحرب والدمار الذي طال البنية التعليمية.

وفي ظل غياب المدارس الصالحة للتدريس، يقتصر ما تبقى من العملية التعليمية على دروس جزئية داخل مدارس شبه مدمرة تديرها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، إلى جانب مبادرات تعليمية محدودة أو مدارس مؤقتة أقيم معظمها في خيام تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات البيئة التعليمية الآمنة.

ويرى مختصون أن هذه الحلول المؤقتة لا يمكن أن تشكل بديلًا فعليًا للتعليم النظامي، خصوصًا مع استمرار القصف وانقطاع الكهرباء وضعف خدمات الإنترنت، ما يجعل التعليم الإلكتروني خيارًا محدود الفاعلية.

خسائر بشرية كبيرة

ولم تقتصر الخسائر على البنية التحتية التعليمية، بل طالت الطلبة والمعلمين والكوادر الأكاديمية.

فقد وثّقت جهات حقوقية مقتل 18,911 من طلبة المدارس و1,362 من طلبة الجامعات، إضافة إلى إصابة 2,931 طالبًا جامعيًا، فضلًا عن إصابة آلاف الطلبة الآخرين بجروح متفاوتة.

كما قُتل 794 معلمًا وأصيب 3,261 آخرون من معلمي المدارس، فيما قُتل 246 من الأكاديميين والباحثين الجامعيين وأصيب 1,491، في هجمات إسرائيلية استهدفت مناطق مختلفة في القطاع.

ويرى مختصون أن هذه الأرقام تكشف استهدافًا مباشرًا للمنظومة المعرفية الفلسطينية عبر ضرب كوادرها التعليمية والبحثية، ما يهدد قدرة القطاع التعليمي على التعافي مستقبلًا.

دمار واسع للمؤسسات التعليمية

وتشير البيانات إلى أن الجيش الإسرائيلي استهدف 668 مبنى مدرسيًا بالقصف المباشر خلال الحرب.

كما دُمرت 179 مدرسة حكومية بالكامل، وأصيبت 118 مدرسة حكومية بأضرار جسيمة، إضافة إلى استهداف 100 مدرسة تابعة لوكالة الأونروا.

أما الجامعات، فقد تعرض 63 مبنى جامعيًا للتدمير الكامل، إلى جانب أضرار كبيرة لحقت بباقي الجامعات والكليات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 95% من مدارس قطاع غزة تعرضت لأضرار مختلفة، فيما تحتاج أكثر من 90% من المباني المدرسية إلى إعادة بناء أو تأهيل رئيسي، ما يجعل الغالبية الساحقة من المؤسسات التعليمية خارج الخدمة.

ويقول المرصد الأورومتوسطي إن هذا الحجم من الدمار يعكس سياسة تدمير ممنهج للبنية التعليمية في قطاع غزة، ضمن سياق أوسع من استهداف مقومات الحياة في القطاع.

آثار نفسية واجتماعية

ويؤكد خبراء أن الأطفال في غزة هم الفئة الأكثر تضررًا من الحرب، إذ لا تقتصر معاناتهم على القتل والإصابة، بل تمتد إلى فقدان الأهل وتكرار النزوح القسري وانعدام الأمن الغذائي والصحي.

كما يعاني كثير من الأطفال من آثار نفسية عميقة نتيجة التعرض المستمر للقصف والخوف والفقد، إلى جانب حرمانهم من التعليم والمساحات الآمنة للعب والتعلم.

ويرى مختصون أن استمرار الانقطاع التعليمي قد يدفع كثيرًا من الأطفال إلى التسرب من التعليم أو العمل المبكر أو الزواج المبكر، ما يهدد بنشوء جيل كامل محروم من فرص التعليم والتنمية.

دعوات لتحرك دولي

وطالب المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل لوقف استهداف الأعيان المدنية، بما فيها المرافق التعليمية، والسماح بإدخال مواد البناء والمستلزمات التعليمية اللازمة لإعادة تشغيل المدارس والجامعات.

كما دعا إلى إدخال البيوت الجاهزة (الكرفانات) لاستخدامها كفصول دراسية مؤقتة بدلًا من الخيام، إضافة إلى توفير الكتب والقرطاسية وأجهزة الحاسوب.

وطالب الجهات المحلية في قطاع غزة بوضع خطة طوارئ واضحة لإعادة انتظام الدراسة، تشمل توفير مواقع تعليم مؤقتة وبرامج تعويض أكاديمي ودعم نفسي للطلبة.

كما دعا الأمم المتحدة، خصوصًا اليونيسف واليونسكو والأونروا، إلى وضع خطة عملية لإعادة بناء البنية التعليمية في غزة وضمان عودة التعليم النظامي وفق المعايير الدولية.

ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الواقع قد يترك آثارًا طويلة الأمد على المجتمع الفلسطيني، في ظل خطر ضياع سنوات تعليمية كاملة لجيل من الأطفال والشباب في قطاع غزة.