إسماعيل برهوم ... الرجل الخفي في قيادة حماس

الرسالة نت

بسم الله الرحمن الرحيم

إسماعيل برهوم ... الرجل الخفي في قيادة حماس

تمر هذه الأيام الذكرى السنوية لاستشهاد الأستاذ إسماعيل برهوم أبو محمد عضو المكتب السياسي لحماس في إقليم قطاع غزة، والذي استشهد في قصف صهيوني لمجمع ناصر الطبي حيث كان يتواجد في قسم الجراحة لتلقي العلاج من أمراض ألمت به خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، وقد نعت حماس برهوم واصفة إياه بأحد أعمدة الحركة في قطاع غزة..

والأستاذ إسماعيل موسى أحمد برهوم ولد في مخيم يبنا للاجئين، وذلك في الثالث والعشرين من شهر ديسمبر من العام ١٩٦٨م، حيث نشأ وترعرع في كنف جماعة الإخوان المسلمين، فوالده الحاج موسى من الرعيل الأول لجماعة الإخوان في منطقة رفح، وهذا ساعد على التنشئة الإسلامية والتربية الإيمانية لأبي محمد منذ نعومة أظفاره، فواظب على أداء صلاة الجماعة في مسجد الهدى، وأقبل على مكتبة المسجد، وكان يؤم المصلين في صلاة التراويح في شهر رمضان، وكان يشارك في  معرض الكتاب التي تقيمه مكتبة مسجد الهدى، وأشرف على بعض الأسر الجانبية أو التنشيطية لجماعة الإخوان المسلمين أو حماس في هذه الفترة، وكان من ضمن الأشبال الذين يشرف عليهم الشهيد القائد/ محمد أبو شمالة أبو خليل، والشهيد/محمد حجاج رحمهما الله رحمة واسعة، وعند بناء مسجد الخلفاء في منطقة البراهمة، كان إمام هذا المسجد، وانتقلت أنشطته من مسجد الهدى إلى مسجد الخلفاء..

درس الأستاذ إسماعيل برهوم المرحلة الابتدائية والإعدادية في مدارس وكالة الغوث الدولية، وأنهى المرحلة الثانوية بنجاح في القسم العلمي بتقدير جيد، والتحق بالجامعة الإسلامية بغزة في كلية العلوم، وأنهى دراسة السنة التمهيدية فيها، ثم انقطع عن الدراسة، لإغلاق الاحتلال الجامعة بسبب اندلاع الانتفاضة الأولى، وبعد خروجه من السجن، تزوج وأكمل دراسته الجامعية حتى تخرج يحمل درجة البكالوريس في اللغة العربية من كلية الآداب في الجامعة الإسلامية بغزة، ثم حصل على دبلوم التأهيل التربوي، وبعد انتفاضة الأقصى حصل على درجة الماجستير من كلية التربية عام 2006م، ولم يكمل دراسة الدكتوراة، بسبب منع النظام المصري له من دخول الأراضي المصرية آنذاك..

بايع جماعة الإخوان المسلمين في عام 1986م، وشارك في المخيم التربوي المغلق عام ١٩٨٥م، والذي كان يشرف عليه آنذاك الشهيد القائد يحيى السنوار أبو إبراهيم، حيث حصل المشاركون على دورات في الأمن والقيادة والإدارة، وكان ممَّن شارك في توزيع البيان الأول للحركة التي أعلنت فيه عن انطلاقتها، وتفجير انتفاضة الحجارة أو انتفاضة المساجد في 14/12/1987م، وكان المكلَّف بتوزيع البيان آنذاك جهاز الأمن المسمَّى منظمة الجهاد والدعوة مجد، وبعد ضربة ٨٩م الشهيرة ترأس جهاز الأحداث، كأول قائد لجهاز الأحداث في منطقة رفح، وذلك إبان توجه الحركة لتشكيل الأجهزة الحركية، لتكون لها قيادة مركزية على مستوى القطاع وتتفرع عنها قيادة فرعية لكل منطقة، كتطوير للجان التي كانت تعمل بمرجعية الهيئات الإدارية في المناطق، ومن قبل كان رئيس لجنة الأحداث في رفح د. سامي أبو زهري حتى اعتقاله ٨٩م..

وأعلن جهاز الأحداث في رفح تحت قيادة إسماعيل أبو محمد عن اسم الجهاز العسكري لحماس، ليظهر اسم كتائب الشهيد عز الدين القسام لأول مرة في تاريخ حماس على جدران مخيم يبنا للاجئين برفح، ليعلن عن إعدام أحد أخطر العملاء وذلك في عام 1990م، ونظم جهاز الأحداث عرضاً عسكرياً لحماس قاده آنذاك الشهيد/ خالد قشطة، الذي ارتقى شهيداً أثناء مواجهات مع حركة فتح في سنوات الانتفاضة الأولى..

وكان هذا الاسم باقتراح الهيئة الإدارية الكبرى لحماس في رفح برئاسة (أبو أحمد)، بعد قرار الإدارية بتوجيه جهاز الأمن بالعمل ضد العملاء، بعد انتقادات من الفصائل الأخرى لحماس بأنها لا تعمل ضد العملاء، فلما نفذ جهاز الأمن بقيادة الشهيد رمضان اليازوري عملية الاغتيال، وجه مسؤول الأمن والأحداث في الإدارية (جمال) الشهيد رمضان اليازوري بايصال  التعليمات للأحداث بالإعلان عن العملية وتبنيها باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، فاستلم هذه التعليمات أبو محمد إسماعيل، وكلف مجموعة من الإخوة بكتابة بيانات التبني والإعلان عن العملية على جدران مخيم يبنا للاجئين، وكان من بين أفراد هذه المجموعة الشهيد/محمد برهوم أبو أسامة المعروف بلقب الشايب والذي استشهد في معركة العصف المأكول برفقة الشهيدين القائدين العطار وأبي شمالة..

اعتقل أبو محمد في ضربة ٩١م، التي وجهها الاحتلال لحماس باعتقال قادتها وكوادرها الذين عملوا آنذاك تحت قيادة الشيخ سيد أبو مسامح الذي كان رئيساً للمكتب الإداري العام للحركة في قطاع غزة، والذي أعاد تشكيل قيادة الحركة بعد ضربة ٨٩م، قضى برهوم في السجن عامين ونصف، ثم أفرج عنه في عام ١٩٩٣م، وتزوج في نفس العام، وأنجب خمسة من الأبناء، وثلاثة من الإناث، وله من الأحفاد ستة، استشهد منهم اثنان، واستشهدت إحدى بناته برفقة عائلة زوجها عبد الله اليازوري..

عين مدرساً في مدارس وكالة الغوث الدولية عام ١٩٩٩م حتى عام ٢٠١٠م، وقبلها عمل في عدة مهن منها بائعاً لفاكهة البطيخ، وعاملاً في محطة بنزين، وعاملاً في مصنع إنتاج الحصمة ومواد البناء أو ما يعرف (بقبان الحصمة)، وعاملاً في محل لبيع الدهانات أو ما يعرف( بالبوية)، وعمل موزعاً لجريدة الرسالة، حتى عمل في وكالة الغوث معلماً..

عمل ضمن المجموعة القيادية لحماس في رفح عام ١٩٩٨م، في سنوات تغول السلطة على حماس، والتي كان يرأسها د. فؤاد النحال آنذاك حتى انتفاضة الأقصى عام ٢٠٠٠م.

في عام ٢٠٠٢م اختير ليكون رئيساً للهيئة الإدارية الكبرى لحماس في رفح، وهي قيادة الحركة على مستوى منطقة رفح، وذلك بعد إشكالية نشبت في الهيئة الإدارية الكبرى، حيث تم تكليف الأستاذ يونس أبو دقة أبو أنس رئيس الهيئة الإدارية الكبرى للحركة في خان يونس آنذاك، ليكون مرجعية للحركة في رفح، حيث كان إسماعيل برهوم عضواً في الهيئة الإدارية الكبرى، لانتخابه رئيساً للهيئة الإدارية المحلية بالمنطقة المحلية الجنوبية يبنا برفح بداية عام ٢٠٠٢م، واستمر في رئاسة الحركة في رفح والجنوبية المحلية حتى انتخابات عام ٢٠٠٥م..

تسلم أبو محمد قيادة الحركة في رفح، وكانت رفح تعيش حالة من القيل والقال _كما كان أبو محمد إسماعيل يصف هذه المرحلة بهذا الاسم_، التي سادت الأوساط التنظيمية في رفح، ومن أبرز ما كان يُهمس به في المجالس القول ( بأنه لا يمكن للأمور أن تستقيم إلا أن يقود رفح رجل من خارجها)، استطاع إسماعيل أن ينهي هذه الحالة عبر اتخاذ اجراءات صارمة في تقييم الهيكلية التنظيمية للحركة في رفح فسلم قيادة الحركة في القطاع ممثلة بالشيخ أحمد ياسين تقريراً لهيكلية الحركة في رفح وتعدادها ٣٠٠ أخ من أصل ١٠٠٠أخ في التقرير السابق الذي رفع لقيادة الحركة في القطاع في وقت سابق..

 وكذا بدأت من رفح فكرة المخيمات التربوية للمعايشة بين الإخوان أو ما تسمى بالمعسكرات المغلقة، حيث بدأت هذه المخيمات من رفح، بمشاركة عدد من الإخوة في هذا المخيم والذي عقد في باحات الجامعة الإسلامية بغزة تحت قيادة الشيخ الشهيد طارق أبو الحصين أبو محمد، والذي كان أحد قادة القسام في رفح، وعضو الهيئة الإدارية المحلية في المنطقة الشرقية، وعضو مجلس الشورى الكبرى برفح، وكان مرجعية الشيخ طارق هو أبو محمد إسماعيل..

ومع بداية انتفاضة الأقصى كانت هناك معيقات كبيرة وإشكاليات عديدة حول العمل العسكري تعاني منها قيادة القسام في رفح ممثلة بأبي خليل أبو شمالة، وأبي أيمن العطار، فقام إسماعيل أبو محمد بتذليل كل المعيقات، وإزالة كل العراقيل أمام ترتيب صفوف الجهاز العسكري في رفح، وكان أول اجتماع لقيادة القسام مع قيادة الإدارية الكبرى أو ما تعرف بقيادة الدعوة في رفح في عهد إسماعيل برهوم، في منزله حيث حضر أبو أيمن وأبو خليل، وجلس معهم إسماعيل وطلب منهم بدء الحديث، فطالبوه بانتظار رئيس الإدارية فهو سيحضر بعد قليل، فلما جاء الأخ الذي ينتظرانه، وكان قد جلس معهما أكثر من مرة في بيت أبي محمد، وظن الاثنان أن هذا الأخ هو رئيس الإدارية، ثم فاجأهم بأنه يجلس معهم بتكليف من رئيس الإدارية أبو محمد إسماعيل، ومن الجدير ذكره أن يحيى السنوار في آخر بريد أرسله لأبي محمد قال فيه:" وكما عهدناكم أن نسمع أخباركم من غيركم، فأنتم أهل لهذه المهمة_ تكليفه برئاسة الطوارئ المركزية في جنوب قطاع غزة_، وهذا يذكرني حين كلفت بقيادة الحركة برفح من قبل الشيخ أحمد ياسين دون علم أبي أيمن وأبي خليل..".

حارب إسماعيل كل الظواهر غير السديدة أو ما يسمى بالعمل خارج الإطار، وعدم احترام المرجعيات في الجهاز الأمني لحماس في رفح، حيث شكل لجان تحقيق وقام باستبعاد الأشخاص الذين عملوا بهذه الطريقة حتى ساد القانون واللوائح والنظم، ومنعت أي وقائع غير سديدة تطغى فيه الحسابات الشخصية على المصلحة العامة والالتزامات الوطنية والأخلاقية في أي عمل أمني..

أعيد انتخابه رئيساً لحماس في رفح عام ٢٠٠٥م، بعد الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة، وشاركت حماس في الانتخابات البلدية عام ٢٠٠٥م، وفازت بغالبية المقاعد في بلدية رفح ١٢من أصل ١٥ عضو، مقابل ٣ مقاعد لحركة فتح، وطعن في النتائج وقبلت المحكمة هذه الطعون ...

في عام ٢٠٠٦ بعد تشكيل الحركة للحكومة العاشرة ترأس الدائرة التربوية العامة لحماس في قطاع غزة إلى جانب رئاسته للإدارية الكبرى لرفح، وتطورت في عهده فكرة المخيمات التربوية حتى صار لها لجنة خاصة تسمى بلجنة المخيمات التربوية داخل الدائرة التربوية، والتي أصبحت هذه المخيمات تعقد كل عام في فترة الصيف، داخل المناطق الكبرى لحماس في قطاع غزة..

ثم أعيد انتخابه عام ٢٠٠٨م رئيساً للهيئة الإدارية الكبرى في رفح، فكان إسماعيل برهوم بصفته التنظيمية يشارك في الفعاليات والأنشطة المختلفة التي تعقدها أقسام الحركة الدعوية والأمنية والعسكرية، بالإضافة إلى تواجده في العمل الحكومي والمجتمعي بكافة أشكاله وتفرعاته، موازناً بين متطلبات مهامه القيادية والتنظيمية، وبين أعباء مهنته ووظيفته مدرساً في وكالة الغوث، حتى طلبت منه الحركة الاستقالة من عمله عام ٢٠١٠م...

كان إسماعيل برهوم رجلاً بسيطاً يعيش بين أوساط الناس بكل تواضع، يعرفه جميع الناس سهلاً في المعاملة ليناً في حياته، يجيب كل من يطرق بابه ويعطيه سؤله، وهذا لا يتعارض مع كونه حازماً وحاسماً في قرارته، وشديداً وبكل صرامة بفرض اللوائح والنظم، حتى كان يلقب في هذه الفترة وما قبلها بقليل داخل الأوساط التنظيمية (بنعيماً)، وهذا اللقب مستمد من كونه أجلى الجبهة (مصاب بالصلع أو أقرع الرأس) منذ سنوات شبابه الأولى، ومستمد أيضاً من كونه يتصف بالحزم والانضباط التنظيمي الشديد والصارم، فكان له رمزية كبيرة وحضور واسع بين أبناء الحركة في رفح وغيرها...

وفي عام ٢٠١٢م أعيد انتخابه رئيسأً لحماس في رفح لآخر دورة انتخابية يسمح له بأن يكون رئيساً للإدارية في رفح حسب اللوائح والنظم، فظل على نفس الدرب والنهج، لم يكسل يوماً في أداء ما يتوجب عليه فعله من مباشرة مسؤولياته وإنجاز مهامه، وكان يحمل فكراً يهدف نحو تعزيز العمل المقاوم والعسكري، والتخفف من أعباء العمل الحكومي التي أثقلت كاهل الحركة، والتمترس خلف خيار المواجهة المفتوحة والحرب الشاملة مع الاحتلال، وكان ينظر إلى ظاهرة داخل الحركة تنبئ بتمحور أبناء الحركة وتكتلهم خلف الجهاز العسكري، وتقديمهم المهام الجهادية والالتزام بها على حساب الواجبات الدعوية والعمل في مختلف أجهزة الحركة سواء في المساجد أو الشعب وحتى الكتلة الإسلامية والعمل الجماهيري هي ظاهرة طبيعية داخل الحركة باعتبار أن الحركة في المقام الأول حركة مقاومة إسلامية أنشئت لتواجه الاحتلال على طريق تحرير القدس والمسجد الأقصى..

وكان يعد من القيادات البارزة داخل الهيكل التنظيمي للحركة ومن أهم أعضاء الهيئة الإدارية العامة فكانت تناط به العديد من المهام، وتعهد إليه رئاسة العديد من اللجان الخاصة التي تشرف على أعمال وأنشطة آنية تتطلب الاشتراك في إنجازها أكثر من دائرة أو جهة داخل الحركة أو خارجها، أو لمتابعة أو تقييم للهيئات الإدارية الكبرى في المناطق أو غيرها، إلى جانب ذلك ترأس اللجنة المركزية للمخيمات الصيفية للحركة على مستوى قطاع غزة، ومن أبرز الأنشطة التي شارك فيها أو أشرف عليها مشروع أمة واحدة، ومشروع نحو تعزيز القيم الذي نفذ بالتعاون مع وزارة التعليم، وشارك في كتابة تاريخ الحركة من خلال توثيق التجارب الشخصية لبعض الإخوة الذين كان لهم دورٌ وشاركوا في الأعمال الجهادية والمهام الحركية قبل الانتفاضة الأولى وأثناءها عبر ما يسمى بالتاريخ الشفهي، وصدر في هذا الإطار عن الحركة في رفح أو غيرها كتابان اثنان وهما:" طلائع الأبرار"، _ والذي يدَّرس في دورات البيعة_، وكتاب:" حماس.. النشأة والجذور والمنطلقات الفكرية"، وكان أبو محمد يعتبر داخل الهيكل التنظيمي عنوان رفح رحمه الله تعالى..

كان من القادة الذي يشاركون في رسم مشهد القيادة داخل المؤسسات القيادية المختلفة، إلى جانب يحيى السنوار أبو إبراهيم فقد كانت تجمعه بأبي إبراهيم علاقة وطيدة فكان أبو محمد يعتبر السنوار الرجل القوي والصلب داخل حماس، ويعده امتداداً لشخصية الدكتور إبراهيم المقادمة والدكتور الرنتيسي رحمهما الله، ويرى فيه شيئاً من الشيخ أحمد ياسين، ولا يقل أبو إبراهيم في رمزيته والكاريزما التي يتمتع بها عن أبي العبد هنية، إلا أن الشيخ أحمد وأبو العبد كانا محل إجماع داخل حماس، وأبو إبراهيم كان له نظراء وأنداد، وكان أبو إبراهيم يكن لأبي محمد كل تقدير واحترام، وإعجاب..

ثم في عام ٢٠١٧م انتخب إسماعيل برهوم عضواً في المكتب السياسي لحماس في إقليم غزة، وترأس هذا المكتب الأستاذ يحيى السنوار أبو إبراهيم، وكلف المكتب أبا محمد برئاسة الدائرة المالية للحركة في غزة، والتي كانت تعاني من ترهل إداري كبير، وكانت هناك قضايا فساد عالقة، حيث فرض إسماعيل برهوم المؤسسية والنزاهة والشفافية والرقابة والمحاسبة، وقام بتسوية كل الإشكاليات القائمة، وإنهاء العديد من القضايا المالية المتراكمة في المحاكم وغيره، حتى استقرت الأمور في الاتجاه الصحيح، ففرض الواقع السديد، وأعاد تنظيم الدائرة المالية وقمع من يتجاوز قيم المؤسسة ويخالف اللوائح والنظم....

ثم بعد وفاة الأستاذ أحمد الكرد أبو أسامة، كلف إسماعيل أبو محمد برئاسة المؤسسات الخيرية، بعد اتخاذ الحركة قراراً بمنع المسارات الشخصية ضمن آليات العمل الخيري، والعمل بشكل جاد على وضع اللوائح والنظم في تنظيم المؤسسات الخيرية داخل الحركة التي تضبط العمل الخيري، وتضمن النزاهة والشفافية وتركز على ضمان وصول الإغاثة للمستحقين، وكان هذا العمل الهام بتوجيه وإشراف من الأستاذ يحيى السنوار رئيس المكتب...

 وأثناء جائحة وباء فيروس كورونا أصبح الاحتياج كبير خاصة في ضرورة تقديم الخدمة الإنسانية والإغاثية للمحجورين والمصابين، تبلورت فكرة مفادها تأسيس وتشكيل المجلس الأعلى للإغاثة داخل الحركة وكان يرأسه إسماعيل برهوم أبو محمد حتى استشهاده رحمه الله، وفي هذه الدورة التنظيمية ترأس أيضاً مجلس الشورى المحلي في المنطقة الشرقية أ...

وفي عام ٢٠٢١م أعيد انتخابه عضواً في المكتب السياسي في إقليم قطاع غزة، وانتشرت له على وسائل الإعلام صورة تجمعه مع جميع أعضاء التشكيلة القيادية للحركة في قطاع غزة، فلما أُخْبِرَ عن هذه الصورة قال: "هذه الصورة للموت"، وفعلاً بعد مرور أربع سنوات على هذه الصورة، وفي ختام آخر دورة قيادية شارك فيها إسماعيل أبو محمد، ارتقى شهيداً..

 وترأس في هذه الدورة دائرة تجمع المؤسسات الخيرية، فأكمل ما بدأه من إرساء النظم واللوائح وتطوير العمل الخيري ليصل إلى أكبر قدر ممكن من المستفيدين من الفقراء والمعوزين وفق أسس النزاهة والشفافية.. وبقي أبو محمد عنواناً لنظافة اليد، والتعفف عن التصرف في المال العام، ضمن مسارات شخصية، حتى أنه قال لأهله قبل سفره لأداء فريضة الحج : (إذا صار فيَّ  حاجة فإن كل ما هو مسجل باسمي عند الحركة فهو للحركة، وأنا لا أملك منه شيء، ولا أملك إلا الأرض والبيت التي تسكنون فيه)..

وفي شهر ٥ من عام  ٢٠٢٣م ترأس الدائرة المالية إلى جانب المؤسسات الخيرية، وذلك بعد حادثة التجارة الإلكترونية  عبر ما يسمى ( بشركة تكنو إيلت)، للعملات الرقمية، فقيل داخل الأوساط التنظيمية في حماس ( إسماعيل برهوم صار مسؤول نص حماس)، فأعاد ضبط الأمور، واهتم بضرورة أن تسير كل المعاملات المالية وفق النظام المعمول به داخل الحركة. بالتوازي مع مواصلة العمل داخل المؤسسات الخيرية حتى اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر..

وظل أبو محمد مع اشتداد الحرب عند مسؤولياته ومهامه، يدير العمل في الدائرة المالية، ودائرة المؤسسات الخيرية، رغم ضراوة الحرب وقسوتها، بهمة عالية وبروح فدائية كبيرة، وبكل نزاهة وشفافية وشعور بالمسؤولية تجاه أبناء الشعب الفلسطيني بشكل عام، وأبناء الحركة بشكل خاص، فقد كان يتجاوب مع كل المطالب الإنسانية التي تصله قدر الإمكان، وبحسب الظروف الأمنية، فلم يسقط الراية أبداً، ويتحدى الاحتلال حتى آخر أنفاسه من الدنيا، وفرضت عليه دول غربية كبريطانيا عقوبات مالية بسبب ما يسمى عندهم بأحد المسؤولين الماليين لحماس في تمويل أنشطة الإرهاب كما يزعمون..

وبعد استشهاد هنية وانتخاب السنوار رئيساً لحماس، ترأس إسماعيل برهوم لجنة الطوارئ المركزية في جنوب قطاع غزة، فكان مرجعية العمل الحركي والحكومي، والأمني والعسكري لحماس في جنوب قطاع غزة، حتى دخول الهدنة حيز التنفيذ، ولما انسحب الاحتلال من منطقة نيتساريم، وعودة النازحين من جنوب قطاع غزة إلى شماله، توحدت لجنة الطوارئ المركزية للحركة في قطاع غزة بشماله وجنوبه، برئاسة الأستاذ عصام الدعاليس، ونائبه إسماعيل برهوم..

وعلى الرغم من انشغالاته الكثيرة، والظروف الأمنية الصعبة، ومشاهد الحرب القاسية والمؤلمة، أنعم الله عزوجل عليه بأن أتم حفظ القرآن الكريم غيباً في الحرب..

وتشير بعض المصادر إلى أنه لما استحر القتل في قيادة حماس وأعضاء المكتب السياسي للحركة في إقليم قطاع غزة، أصبح إسماعيل برهوم يشكل حلقة الوصل بين قيادة الجهاز العسكري كتائب القسام، وبين المكتب السياسي، وتحديداً بين الدكتور خليل الحية أبو أسامة رئيس المكتب السياسي لحماس في غزة، ورئيس الوفد المفاوض، وبين القائد العام للقسام الشهيد محمد السنوار أبو إبراهيم، حيث جاء في مراسلةٍ بينه _ أبو محمد إسماعيل_، وبين الدكتور خليل، قال له أبو أسامة: " أحمد الله عزوجل على دوام التواصل بينكم وبين الأخ أبوإبراهيم _محمد_، وأسأل الله أن يعين الأخ أبو إبراهيم في قيادته للمجلس العسكري العام"...

وبعد انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، ومماطلة الاحتلال في التفاوض للمرحلة الثانية، شن ضربات متتالية على مختلف مناطق قطاع غزة ، اغتال فيها عدد من القيادات في الحركة والحكومة، كانوا على رأس المنظومة التي تدير الشأن العام، والعمل الحركي والجهادي، وعلى رأسهم الشهيد الأستاذ عصام الدعاليس، رئيس لجنة الطوارئ، فترأس هذه اللجنة الأستاذ إسماعيل برهوم  خلفاً له حتى استشهاده يوم الأحد الموافق ٢٣ رمضان، ٢٣/٣/٢٠٢٥م، ودفن صباح الاثنين ٢٤/٣/٢٠٢٥م، وقد تناول الإعلام العبري حادثة الاغتيال ووصفها بأنها استهدفت شخصية مركزية في حماس، وبعض الصحف قالت:" عملية الاغتيال استهدفت رئيس حكومة حماس أو رئيس وزراء حماس البديل..".

ليُسْدَل الستار عن مسيرة طويلة قضاها أبو محمد إسماعيل في قيادة الحركة في غزة طيلة ٢٣ عام، عمل فيها مع قيادات عديدة على رأسهم الشيخ أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي، وأبو العبد إسماعيل هنية، والمهندس إسماعيل أبو شنب، والدكتور المقادمة، والقائد مروان عيسى وروحي مشتهى وزكريا أبو معمر وصلاح البردويل، وأبو فكري سامح السراج وغيرهم من رموز حماس وقادتها الذين ارتقوا شهداء على طريق تحرير القدس والمقدسات..

وقد أشار أبو محمد إسماعيل لبعض آثار هؤلاء القادة على نفسه وشخصيته حين قال في آخر ما كتبه وعثر عليه ضمن مقتنياته الشخصية التي سلمت من القصف: " تعلمت من والدي حب الإسلام والإخوان، وتعلمت من الشيخ ياسين الصبر والحكمة، وتعلمت من الدكتور الرنتيسي احترام الكبار وتقديرهم، وتعلمت من أبو العبد هنية الإحسان لمن أساء إليك، وتعلمت من الدكتور المقادمة الحكم على الرجال، وتعلمت من المهندس أبو شنب البشاشة وحسن الاستقبال، وتعلمت من أبو البراء_ يقصد مروان عيسى_، الحياء وحسن اختيار الألفاظ، وتعلمت من أبو جمال _ يقصد روحي مشتهى_، حب القرآن، وتعلمت من أبو خالد الضيف الحرص على الإخوان، تعلمت منهم أن أكون رجلاً ذو رأي متناغم مع مبادئه وأفكاره، وأن أكون ليناً سهلاً مع إخوانه، شديداً مع أعدائه وخصومه.. أطلق عليَّ السنوار اسم: (ميسرة)، دلالة على اليسر والسهولة".

رحمه الله رحمة واسعة، وتقبل الله منه جهده وجهاده، وأخلف أهله وحماس وفلسطين خيراً، وعوضهم بأمثاله، _وهم أكثر من أن تعد شخوصهم وتحصى_، وعجل بالفرج والنصر لعباده المجاهدين على أرض الإسراء فلسطين.. اللهم أمين.