في ظهيرة أمس الجمعة 27/آذار 2026، لم يكن مخيم قلنديا مختلفًا عن أيامه المثقلة بالاقتحامات، سوى أن الوجع هذه المرة حمل اسمًا جديدًا: مصطفى حمد.
عند الساعة الثانية عشرة تقريبًا، اقتحمت قوات الاحتلال المخيم، لتعود الأزقة الضيقة إلى مشهدها المألوف من الدخان والرصاص وصيحات الغضب. خرج الشبان إلى الشوارع في مواجهة الجنود، وقد تراكم في صدورهم غضب الأيام السابقة، في ظل تصاعد وتيرة الاقتحامات التي لم تعد تفارق حياة المخيم.
يروي والد الشهيد اللحظات الأولى قائلاً: "دخل الجيش إلى المخيم تقريبًا الساعة 12 ظهرًا، وسار الشباب جميعهم غضبًا في وجهه، فالاقتحامات تتزايد." وسط هذا المشهد، كان مصطفى، الشاب ذو الثانية والعشرين عامًا، بين أبناء المخيم الذين خرجوا لمواجهة الاقتحام.
بعد دقائق من اندلاع المواجهات، تلقى الأب اتصالًا من أحد أقاربه حمل إليه خبرًا بدا في لحظته الأولى أقل قسوة مما سيأتي بعده. يقول: "اتصل عليّ ابن خالي وقال لي إن ابنك قد أُصيب في رجله." عندها تنفّس الأب الصعداء، وحمد الله، إذ ظن أن الإصابة محدودة، وأن ابنه سينجو منها. ويضيف: "حمدت الله وشكرته، لأني كنت أتوقع أن إصابته في رجله تعني أنها إصابة بسيطة."
لكن الحقيقة التي كانت تتكشف في المستشفى كانت أشد قسوة من كل توقع.
فالرصاصة التي أصابت ساق مصطفى لم تكن مجرد جرح ، بل استقرت في شريان حساس، لتفتح باب نزيف حاد لم يتمكن الأطباء من السيطرة عليه. يقول الأب بصوتٍ مثقل بالفقد: "لكن الإصابة كانت في شريان حساس، فنزف ابني نزفًا شديدًا حتى فارق الحياة."
في محاولة لإنقاذه، هرع الأطباء إلى تزويده بوحدات دم متتالية، إلا أن النزيف كان أسرع من كل محاولات الإنقاذ. "10 وحدات دم لم تستطع إنقاذ حياته، ولا إيقاف النزيف." بهذه الكلمات يختصر الأب لحظة انطفاء الحياة في جسد ابنه، الشاب الذي خرج من بيته ظهرًا ولم يعد إليه إلا محمولًا على الأكتاف.
لم يكن مصطفى بالنسبة لعائلته مجرد ابن آخر في بيت فلسطيني مثقل بالخوف. كان، كما يصفه والده، أقرب الناس إليه: "لقد كان ابني صديقي، حنونًا عليّ وعلى والدته." ثم يتوقف قليلًا قبل أن يكمل الجملة التي بدت وكأنها تعزية يحاول أن يسند بها قلبه المنكسر: "لكنه دائمًا كان يتمنى الشهادة، وها هو قد نالها."
برحيل مصطفى، انضم اسمه إلى قائمة الشهداء التي تطول يومًا بعد يوم في الضفة الغربية، حيث باتت الاقتحامات العسكرية والمواجهات اليومية جزءًا من المشهد اليومي، فيما تبقى البيوت الفلسطينية معلقة بين مكالمة هاتف تحمل خبر إصابة، وخبر آخر يحمل الفاجعة كاملة.
هكذا رحل مصطفى حمد، بعد أن نزف حتى اللحظة الأخيرة، تاركًا وراءه أبًا يروي حكايته بصوتٍ يختلط فيه الفخر بالفقد، وأمًا فقدت حنان ابنها، ومخيمًا يعرف جيدًا أن كل اقتحام جديد قد يكتب اسم شهيد آخر.