في مدينةٍ أُغلقت فيها أبواب المسجد الأقصى؛ لم تتوقف انهار العجلوني عن الطرق.
الطفلة ذات التسعة أعوام، التي تسكن قرب المسجد الأقصى، لا تعرف طريقًا آخر لنهارها سوى باحاته. لكن الطريق تغيّر. فالمسجد الذي كانت تدخله كل يوم، بات مغلقًا، والصلاة فيه ممنوعة منذ أكثر من شهر، في ظل إجراءات مشددة على الأبواب ومنع المصلين من الوصول إليه.
في البلدة القديمة، لم يعد الأذان يُقابَل بصفوف المصلين، بل بحواجز وعناصر شرطة تمنع الدخول، فيما اضطر كثيرون للصلاة عند الأبواب وفي الطرقات القريبة، بعد منعهم من الوصول إلى داخل المسجد.
انهار، التي كانت تحفظ طريقها إلى الأقصى كما تحفظ سور القرآن، وجدت نفسها فجأة خارج أبوابه.
تقول:“صاروا يمنعوني… لازم شهادة ميلاد… بصير ألفّ على الأبواب… أحيانًا بدخل، وأحيانًا برجع.”
تدور حول الأبواب السبعة، لا كطفلة تبحث عن طريق، بل كمرابطة صغيرة تعرف أن الطريق واحد: إلى الداخل.
في آخر أيام رمضان، حملت انهار مصحفها، وجلست في زاوية من باحات الأقصى تقرأ. اقترب منها جندي، هدّدها، ثم حاول انتزاع المصحف من يديها. أصرّت. فأخذه منها، ألقاه أرضًا، وداسه؛ لكن انهار لم تتراجع.
سحبت مصحفها، دفعت الجندي، وبدأت تكبّر.
في تلك اللحظة، لم تكن طفلة فقط، بل كانت صورة مكثفة عن مدينة بأكملها.
ومع استمرار إغلاق المسجد، وفرض القيود على أبوابه، تحوّل محيطه إلى مساحة انتظار مفتوحة: مصلّون عند الحواجز، ونساء عند الأبواب، وأطفال يحاولون التسلل. أيام تمرّ دون صلاة في الداخل، وأبواب تبقى مغلقة في وجه من اعتادوا أن تكون مفتوحة دائمًا.
أنهار واحدة من جيلٍ كامل يتعلّم أن الصلاة قد تحتاج إلى محاولة، وأن الطريق إلى المسجد قد يُغلق، لكنه لا يُنسى.
في القدس، حين تُغلق الأبواب، تبدأ الحكايات.
وحكاية انهار، الطفلة التي حملت مصحفها في وجه جندي، ليست سوى واحدة من تلك الحكايات.
طفلة تدور حول الأبواب وتنتظر أن تُفتح.