بعد شهرين فقط من الانضمام إلى إحدى العصابات العميلة المتمركزة شرق المحافظة الوسطى بقطاع غزة، وضع شاب عشريني خطة هروب للعودة إلى ذويه داخل المدينة.
قرر الشاب أن يستغل ساعات الليل المظلمة وأخفى بندقيته ومخازن الرصاص التي حصل عليها من العصابة المتعاونة مع الاحتلال في ملابسه، وقفز عن سور المدرسة التي تتخذها العصابة مقرا لها.
وما أن وطأت قدما الشاب الأرض حتى بدأ بالركض غربا بعيدا عن الخط الأصفر، وقطع عدة كيلومترات قبل الوصول إلى ذويه داخل المدينة الذين استكملوا إجراءاتهم لدى الأجهزة الأمنية المختصة.
ونجحت الجهود التي بذلتها العائلات والعشائر في قطاع غزة مع الأجهزة الأمنية بإعادة عشرات المنضمين إلى العصابات المسلحة العميلة التي تتخذ من مواقع تمركز الجيش الإسرائيلي داخل القطاع مقرات لها.
أعمال إجرامية
وتمكنت (الرسالة نت) من خلال الجهات المختصة الاستماع إلى شهادات عائدين إلى غزة كشفوا خلالها ما تخفيه العصابات المتعاونة مع الاحتلال.
يقول الشاب العشريني إنه غرر به بعدما أقنعه صديق له بوجود فرصة عمل في المناطق الشرقية للمحافظة الوسطى، وعندما وصل هناك وجد نفسه داخل مدرسة تتخذ منها عصابة مقرا لها.
في الأيام الأولى لتواجده داخل المكان التقى به رئيس العصابة الذي كلفه بالعمل في إعداد الطعام داخل المطبخ، قبل أن يسلمه بعد أسبوعين مهام حراسة داخل المدرسة ومنحه سلاحا ومخازن رصاص مختومة باسم إحدى الدول العربية، بحسب شهادته.
وينقل الشاب ما وصفها بمشاهد قذرة داخل المدرسة حيث إن معظم عناصر العصابة يشتركون في تعاطي الحبوب المخدرة التي يوفرها الاحتلال وبعضهم منغمسون بأفعال غير أخلاقية، كما أن كميات الطعام والاحتياجات اليومية التي يوفرها الجيش للعناصر العميلة لا تكفيهم مما يزيد من تردي وضعهم المعيشي على خلاف ما يروجه زعماء العصابة في الفيديوهات التي يبثونها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ويلخص الشاب المهام التي يتم تكليف فيها عناصر العصابة، والمتمثلة بالحراسة ومراقبة الخط الأصفر خشية أن تباغتهم المقاومة، وعمليات إطلاق نار وتمشيط للمناطق المحاذية لتواجد الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى محاولات التواصل مع عناصر داخل قطاع غزة لتكليفهم بمهام لزعزعة الأمن وإثارة القلاقل من الداخل.
ويشير مصدر مسؤول في أمن المقاومة للجزيرة نت إلى أن الجهات المختصة تتخذ كل التدابير اللازمة لإعادة المنتمين للعصابات إلى ذويهم، وتجنيبهم خطر القائمين على الميليشيات العميلة، وإغلاق ملفاتهم حال لم يرتكبوا جرائم قتل بحق المواطنين في قطاع غزة.
تعميم الفوضى
ويروي الشاب (م.ع) في أوائل العشرينات من عمره، تفاصيل انضمامه لإحدى العصابات العميلة بعدما وجد نفسه بلا عمل ودون مصدر دخل بسبب الحرب على غزة، حينها عرض عليه أحد المقربين منه حراسة شاحنات المساعدات القادمة من المناطق الشرقية لمحافظة رفح جنوب قطاع غزة.
يقول الشاب إنه مع مرور الوقت اكتشف أن العمل الحقيقي الذي كُلف به هو نهب وسرقة الشاحنات وبيعها للتجار في السوق السوداء، وذلك بعدما شاهد مجموعات مسلحة توقف القوافل بالعصي والسلاح وتستولي على كل شيء خلال دقائق.
بدأ يشعر الشاب بالخوف بعدما شهد تهديدات وقتل بعض السائقين بسبب عدم انصياعهم لأوامر سرقة المساعدات، فانسحب تدريجيًا، وغادر المكان ليلًا، وعاد إلى عائلته بعد أن أدرك خطورة ما يجري في أروقة العصابات الإجرامية.
ويؤكد (م.ع) أن الاحتلال يدعم العصابات بالسلاح، ويلتقي مع بعض المسؤولين عنها ويستلمون منه التعليمات لتنفيذها ضد المجتمع الفلسطيني لإحداث الفوضى والفلتان.
من الجدير بالذكر أن الاحتلال شكل بعد عدة أشهر من الحرب على غزة عدة عصابات مسلحة، واختار عناصرها من أصحاب السوابق والملفات الجنائية، وأشرف على تدريبهم للقيام بأعمال قتل وسرقة نيابة عنه، ونشرهم في المناطق الشرقية لقطاع غزة التي يسيطر عليها ضمن حدود الخط الأصفر.
تصاعد الملاحقة
خرج (س.ك) من السجن بعدما كان محتجزا لدى الأجهزة الأمنية في غزة على خلفية جنائية، وذلك بعدما أدى استهداف الاحتلال مراكز الإصلاح والسجون إلى إخلاء سبيل عدد من أصحاب السوابق الجنائية الذين أعادوا تشكيل أنفسهم شرق قطاع غزة.
بعد أشهر من الانضمام لإحدى العصابات العميلة، تنبه (س.ك) إلى وجود مجموعات منظمة تقوم بسرقة المساعدات بشكل شبه يومي، وتخزينها وبيعها بأسعار مرتفعة للتجار دون الاكتراث بأوضاع وأحوال المواطنين الجوعى في غزة.
ولاحظ الشاب وجود تواصل بين القائمين على العصابة وأجهزة الاحتلال الإسرائيلي التي توفر لهم حماية واضحة من خلال الطائرات المسيرة "كواد كابتر" وتزويدهم ببعض الأسلحة الخفيفة التي تساعدهم على نشر الفوضى والفلتان في قطاع غزة.
خشي الشاب من الاعتقال أو القتل مع تصاعد الملاحقة الأمنية ضد العصابات، وتواصل من خلال عائلته مع الأجهزة الأمنية التي منحته الأمان، فترك العصابات وهرب وسلم كل المعلومات التي كانت لديه للأجهزة المختصة.
وتبذل الجهات الأمنية جهودا ميدانية بالتعاون مع العائلات والعشائر الفلسطينية لإعادة أبنائهم من براثن تلك العصابات.
وبحسب مصدر أمني مسؤول تحدث (للرسالة نت) فإن عددا من العائلات بادرت بالتواصل مع الأجهزة الأمنية لتسليم أبنائها بعدما تردهم إشارة بأنهم ينوون زيارتهم خلسة ثم العودة لداخل الخط الأصفر.
تجفيف المنابع
يقول (ع.ن) الذي كان يعمل سائقًا قبل الحرب، إنه أُجبر على التعاون مع إحدى العصابات بعد تهديده بشكل مباشرة بالقتل هو وأسرته، وتم تكليفه بإرشادهم إلى مسارات الشاحنات لكي يتمكنوا من سرقتها ثم بيعها للتجار.
قرر (ع.ن) الهروب رغم المخاطر التي تعرض لها، خاصة عندما تأكد أن الاحتلال الداعم الرئيس للمجموعات التي كان لها سوابق جنائية معروفة، فاستغل فرصة التحرك مع العصابات وفرّ من المكان متسللاً ومتنقلًا بين مناطق مختلفة حتى وصل إلى عائلته وأسرته التي طلب منها سابقاً النزوح إلى مكان بعيدا عن العصابات حتى لا يقتلوهم، وقرر بعد ذلك عدم العودة لأي نشاط مرتبط بهم.
وفي ذات السياق يقول المصدر الأمني المسؤول إن المعلومات المتوفرة لديهم والتي تؤكدها اعترافات العائدين من داخل الخط الأصفر، تشير إلى أن العصابات تعمل ضمن مخطط ومشروع منظم يشرف عليه جيش الاحتلال يستهدف زعزعة الأمن الداخلي، وإشاعة الفوضى، وضرب الجبهة المجتمعية من الداخل.
وشدد المصدر على أن الاحتلال يستخدم أدوات محلية رخيصة لتنفيذ أجنداته العدوانية، لذلك تواصل الجهات الأمنية اتخاذ الإجراءات اللازمة لضرب هذه الشبكات الإجرامية، وتجفيف مصادر دعمها، وملاحقة كل من يثبت تورطه أو تعاونه معها، وفق القانون وبما يضمن حماية المجتمع وصون السلم الأهلي.
وحمل المصدر الأمني المسؤول الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة والمباشرة عن هذه الفوضى المفتعلة، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من أدواته في الحرب المركبة على قطاع غزة، والتي تجمع بين القتل المباشر، والحصار، والتجويع، والتدمير، والحرب النفسية، والفوضى الأمنية.