أثار قرار المحكمة الإسرائيلية العليا، الثلاثاء، برفض التماس تقدّمت به جماعات "الهيكل" للسماح باقتحام المسجد الأقصى قبل انتهاء عيد الفصح اليهودي، موجة واسعة من الجدل، ليس فقط بسبب مضمونه، بل لما يحمله من دلالات قانونية وسياسية تتعلق بمسألة السيادة على المسجد وإدارة شؤونه.
ورغم أن القرار منع تنفيذ الاقتحام في توقيته المطلوب، إلا أنه أعاد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول مدى قانونية تدخل القضاء الإسرائيلي في شؤون المسجد الأقصى، في ظل تأكيدات القانون الدولي على عدم الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على القدس بشطريها.
وكان الالتماس قد قُدّم عبر المحامي أفيعاد فيسولي، ممثلًا اتحاد منظمات "الهيكل"، مطالبًا بإصدار قرار عاجل يتيح للمستوطنين اقتحام المسجد قبل انقضاء العيد، غير أن المحكمة رفضت الطلب، دون أن تنفي صلاحيتها في النظر بمثل هذه القضايا، وهو ما اعتبره مراقبون نقطة بالغة الحساسية.
دلالات قانونية خطيرة
المحامي المختص في قضايا القدس والمسجد الأقصى، خالد زبارقة، أكد أن مجرد قبول المحكمة النظر في الالتماس يحمل دلالات قانونية عميقة، إذ يعكس تعاملها مع المسجد الأقصى باعتباره خاضعًا للسيادة الإسرائيلية.
وأوضح زبارقة أن "قبول النظر في هذا الالتماس يعني ضمنيًا أن المحكمة ترى أن قرار فتح المسجد أو إغلاقه هو من صلاحيات سلطات الاحتلال"، مشددًا على أن هذا التوجه يشكل تكريسًا لسيطرة إسرائيل، كقوة احتلال، على المقدسات الإسلامية.
وأضاف أن الالتماس تجاهل بشكل واضح الدور الأردني، رغم أن الوصاية على المسجد الأقصى معترف بها دوليًا للمملكة الأردنية، والتي تمارسها من خلال دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس. وأكد أن أي قرار يتعلق بفتح المسجد أو إغلاقه يجب أن يكون حصريًا بيد هذه الجهة، وليس عبر المحاكم الإسرائيلية.
إغلاق الأقصى... بين الأمن والسياسة
وأشار زبارقة إلى أن سلطات الاحتلال تعمّدت، منذ اندلاع الحرب، إغلاق المسجد الأقصى إلى جانب كنيسة القيامة وساحة البراق، بذريعة الالتزام بتعليمات "الجبهة الداخلية" الإسرائيلية، غير أن هذا التبرير، وفق رأيه، لا يصمد أمام واقع استمرار فتح أماكن عبادة أخرى دون قيود مماثلة.
وبيّن أن هذا التناقض يدل على أن إغلاق الأقصى لم يكن بدوافع تتعلق بسلامة المصلين فقط، بل يرتبط بأهداف سياسية تتجاوز الظروف المعلنة.
ومع إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، دعا زبارقة إلى أن تتصدر دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية المشهد، بصفتها الجهة الإدارية، وأن تبادر المملكة الأردنية، باعتبارها صاحبة الوصاية، إلى إعلان فتح المسجد أمام المصلين.
رفض لا ينفي المبدأ
من جانبه، قدّم الباحث في شؤون القدس، زياد ابحيص، قراءة مختلفة لدلالات قرار المحكمة، معتبرًا أن الرفض لا يعني رفض مبدأ اقتحام المسجد، بل يعكس إحالة القرار إلى الجهات الأمنية الإسرائيلية.
وأوضح ابحيص أن المحكمة أعادت صلاحية البت في مسألة فتح المسجد أو إبقائه مغلقًا إلى "الجبهة الداخلية" ووزير الأمن القومي، ما يعني عمليًا أنها امتنعت عن التدخل، دون أن تعارض فكرة الاقتحام بحد ذاتها.
وأضاف أن هذا الموقف يشكل "عدوانًا قانونيًا جديدًا"، لأنه يكرّس ادعاء السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى، من خلال تعامل المحكمة مع نفسها كجهة مخولة بالنظر في هذه القضايا، رغم أن القانون الدولي يمنح هذه الصلاحية للأوقاف الأردنية.
كما حذّر من أن استمرار منع المسلمين من دخول المسجد، بالتوازي مع السماح باقتحامات المستوطنين، يرسّخ معادلة خطيرة تجعل وصولهم إلى الأقصى مرهونًا بالترتيبات الأمنية التي تفرضها سلطات الاحتلال.
وفي سياق متصل، رأى الأكاديمي ومسؤول الإعلام والعلاقات العامة السابق في المسجد الأقصى، عبد الله معروف، أن مسألة فتح المسجد باتت قريبة في ظل التطورات الأخيرة، وقد يتم الإعلان عنها في أي وقت، ولكن وفق شروط تفرضها إسرائيل.
وأشار معروف إلى أن الاحتلال قد لا يفرض قيودًا عددية بعد انتهاء إجراءات منع التجمهر، إلا أنه سيسعى إلى تكريس مفهوم "المقدس المشترك"، عبر فتح المسجد بالتوازي أمام المسلمين والمستوطنين، بما يعيد فرض التقسيم الزماني ويقيّد وصول المسلمين خلال فترات الاقتحام.
وشدد على أن "فتح المسجد بشروط الاحتلال لا يمكن اعتباره إنجازًا"، داعيًا إلى حضور جماهيري واسع في الأقصى لإفشال هذه السياسات ومنع تكريس واقع جديد