لم يكن محمد وشاح مجرد مراسل ميداني، بل كان وجهًا مألوفًا ارتبط في ذاكرة الغزيين بكل جولة حرب، وصوتًا ينقل تفاصيل الألم من قلب الحدث إلى العالم. في كل مرة يظهر على الشاشة، كان حضوره يحمل ما هو أبعد من الخبر؛ كان يحمل طمأنينة بأن هناك من لا يزال يروي الحكاية.
في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، لم تكن خيمته في المنطقة الوسطى والجنوب مجرد مكان للراحة بين التغطيات، بل تحولت إلى ملاذ إنساني.
كان النازحون والمرضى يقصدونها بحثًا عن مساعدة، أو حتى كلمة تخفف عنهم وطأة النزوح. لم يكن وشاح يعلن عن مبادراته، لكن إنسانيته كانت واضحة لكل من عرفه أو اقترب منه.
زملاؤه في الميدان كانوا شهودًا على ذلك. يروي مراسل “الجزيرة مباشر” علاء سلامة كيف كان وشاح حريصًا على دعم زملائه، يقدم لهم النصيحة المهنية، ويشاركهم خبرته، دون أن يتخلى عن تواضعه أو حضوره الإنساني.
أما المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، فقد لخّص مسيرته بقوله إن وشاح "لم يكن مجرد مراسل صحفي، بل كان عينًا للحقيقة وصاحب رسالة إنسانية سامية".
وأضاف أن تواصله مع طواقم الدفاع المدني لم يكن يقتصر على نقل الأخبار، بل كان يسهم في إيصال صوت المكلومين، وتسليط الضوء على التحديات التي تواجه فرق الإنقاذ.
اغتيال بعد تحريض
جاء اغتيال محمد وشاح بعد حملة تحريض واضحة طالته منذ بداية الحرب، في سياق يُنظر إليه على أنه استهداف ممنهج للصحفيين وشهود العيان.
فقد استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية سيارته بصاروخ مباشر أثناء مروره في شارع الرشيد قرب مفترق النابلسي، ما أدى إلى استشهاده على الفور.
ولم تكن هذه المحاولة الأولى، إذ سبق أن تعرض وشاح لمحاولات اغتيال خلال تغطيته للحرب الحالية وسابقاتها، في مؤشر على المخاطر المتزايدة التي يواجهها الصحفيون في الميدان.
في سياق متصل، أعرب منتدى الإعلاميين الفلسطينيين عن قلقه من التراجع الملحوظ في مستوى التغطية الإعلامية لقطاع غزة، رغم استمرار الأزمة الإنسانية وتفاقم تداعياتها.
وأشار المنتدى إلى أن هذا التراجع يأتي في ظل تحولات مقلقة في سياسات بعض وسائل الإعلام، ما يؤثر على حجم ونوعية التغطية الميدانية، ويحدّ من نقل الصورة الكاملة لما يجري على الأرض.
وأكد أن تقليص عدد المراسلين أو إنهاء خدماتهم في هذه المرحلة الحساسة ينعكس سلبًا على تدفق المعلومات، ويضعف تنوع الرواية الإعلامية، ما قد يؤثر بدوره على فهم المجتمع الدولي لحقيقة الأوضاع في القطاع.
وشدد المنتدى على أن استمرار التغطية الإعلامية في غزة لم يعد خيارًا، بل ضرورة إنسانية ومهنية، في ظل الدمار الواسع والأزمات المتفاقمة التي يعيشها السكان.
ودعا وسائل الإعلام الدولية والإقليمية إلى تعزيز حضورها الميداني، ومواصلة الاهتمام بالتغطية بما يتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية، كما حث المؤسسات الإعلامية على مراجعة سياساتها التحريرية لضمان استمرارية نقل الحقيقة، ودعم الصحفيين العاملين في الميدان.
رقم جديد في سجل الدم
باستشهاد محمد وشاح، يرتفع عدد الشهداء الصحفيين إلى 262 صحفيًا، في واحدة من أكثر الحملات دموية بحق الصحافة في التاريخ الحديث، ما يشكل انتهاكًا صارخًا لكل القوانين والمواثيق الدولية التي تنص على حماية الصحفيين أثناء النزاعات.
يعلق الصحافي أحمد الكومي عبر منصة أكس على جريمة اغتيال وشاح بالقول:" اختارت إسرائيل توقيت خبيث وماكر لتنفذ جريمة اغتيال الزميل الصحفي محمد وشاح، بينما تتعلق كل الأنظار نحو سماء المنطقة لمراقبة دخول وتنفيذ مقترح وقف الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وتحت وقع الصدمة والخرق وضجيج أكبر مجزرة يشهدها لبنان منذ نحو عامين".
وتابع:" اختارت أن تختبيء خلف انشغال المنطقة والعالم لارتكاب مجزرة بحق واحد من أكفأ وأشجع مراسلي وصحفيي فلسطين وقطاع غزة، والانتقام منه بعد مسيرة شاقة وطويلة من تغطية جريمة الإبادة الجماعية وفضح الكيان. وهذا يعني أن عدونا كان يخشي محمد وشاح حيًا وشهيدًا".
وأكد الكومي أن هذه جريمة اغتيال دبّرت بليل، ولا تعبر إلا عن جبن ووضاعة هذا الكيان، موضحا أن جريمة اغتيال تعني أن الكيان يقوم بعملية تصفية حسابات مع أبطال الصورة التي أشعلت المعركة.
مهما ارتفعت أرقام الشهداء، لا تختصر الحكاية، فخلف كل رقم قصة إنسان، وحياة كانت تنبض، ورسالة لم تكتمل، رحل محمد وشاح، لكن صوته لم ينطفئ بقي في ذاكرة من شاهدوه، وفي وجوه من ساعدهم، وفي كل قصة نقلها من تحت الركام، شاهدًا على زمنٍ تُستهدف فيه الحقيقة، ويُغتال فيه من يرويها.
اغتيال محمد وشاح… جريمة استغلت انشغال العالم للانتقام من شاهد الإبادة
الرسالة نت - خاص