من جانبه قال الكاتب الفلسطيني محمد مصطفى شاهين في تصريحات خاصة لموقع 180 تحقيقات إن فتح المسجد الأقصى اليوم ليس مكرمة من محتل ولا دليل على التزامه بحرية العبادة كما تدعي آلته الدعائية. وأكد أن إعادة الفتح تحمل في جوهرها عدة دلالات خطيرة، أولها أن الاحتلال يعتبر نفسه صاحب القرار الإداري الوحيد في الأقصى متجاوزاً كل الأعراف والمواثيق الدولية.
وأضاف أن الإغلاق الذي فرضه الاحتلال بذريعة الحرب لم يكن سوى تجربة لاختبار قدرته على التحكم في تدفق المصلين وفي الزمن المقدسي، وهو ما يسميه البعض اختباراً عملياً في أصعب الأوقات. وأشار إلى أن الفتح وفق شروط الاحتلال يؤكد أنه المتحكم في مفاتيح الدخول والخروج الزماني، ممهداً بذلك لمرحلة جديدة من فرض الوقائع الميدانية. وقال إن هذه الرسالة تعكس سيطرة واضحة مفادها أن الاحتلال قد انتقل من مرحلة المضايقة إلى مرحلة إعادة تشكيل المشهد في الحرم القدسي الشريف.
توقيت القرار
وأوضح شاهين أن توقيت إعادة الفتح بعد 40 يوماً من الإغلاق القسري للمسجد الأقصى لم يكن اعتباطياً، بل جزء من هندسة سياسية وأمنية مدروسة. وأضاف أن الإغلاق نفسه، الذي يعد جريمة تاريخية، تزامن مع حرب إقليمية استخدمها الاحتلال كستار دخاني لتمرير أوسع عملية تغييب للوجود الإسلامي عن المسجد الأقصى. وقال إن القرار يأتي ضمن مسار صهيوني متواصل منذ أكثر من عقد لتقويض دور الأوقاف الإسلامية وتجريدها من صلاحياتها.
وأكد أن إعادة الفتح الآن، وبالتزامن مع تمديد فوري لساعات اقتحامات المستوطنين إلى 6 ساعات ونصف يومياً، هي رسالة سياسية مفادها أن عودة المصلين مشروطة بقبول سياسة التقسيم الزماني والمكاني. وأضاف أن الاحتلال يستغل بانتهازية كل ظرف إقليمي، من الحرب على إيران إلى تراجع الاهتمام الدولي، لانتزاع مكاسب استراتيجية في قلب القدس.
الرسائل الخفية
وأشار شاهين إلى أن هذا القرار يحمل رسائل سياسية وعسكرية وجيوسياسية خفية. وقال إن الرسالة السياسية تهدف لإبلاغ العالم والأمة العربية والإسلامية أن الوصاية الهاشمية الأردنية التي ضمنتها اتفاقية وادي عربة قد باتت مفرغة من مضمونها إلى حد كبير. وأكد أن السيادة على المسجد الأقصى لم تعد تخضع لتفاهمات بل لسلطة الأمر الواقع التي تفرضها قوة الاحتلال، وأن أي شرطي إسرائيلي أصبح قادراً على منع كبار مسؤولي الأوقاف من دخول المسجد.
وأضاف أن الرسالة العسكرية الأمنية تتذرع بالاحتلال بالأمن، بينما الواقع يعكس عسكرة الأقصى، حيث يعيد فتحه ليغلقه مجدداً أمام المصلين ويفتح الباب أمام طوابير المستوطنين لأداء طقوسهم التلمودية. وأشار إلى أن الرسالة الجيوسياسية تتعلق بتزامن فتح الأقصى مع الإعلان عن هدنة في الحرب الإقليمية، في محاولة لترسيخ معادلة جديدة، حيث أصبح الأقصى ورقة ضغط إقليمية تستخدمها إسرائيل في صراعها مع إيران وحلفائها.
انعكاسات القرار
وأوضح شاهين أن سيناريو ما بعد إعادة الفتح المشروطة ينذر بمرحلة أكثر تعقيداً وخطورة على هوية القدس. وأكد أن انعكاسات القرار واضحة ومقلقة، حيث تكريس التقسيم الزماني والمكاني يمثل الخطر الأكبر. وقال إن فور فتح الأبواب بدأ تطبيق التمديد الجديد لساعات الاقتحامات، وهو تصعيد خطير يمس الوضع التاريخي والقانوني القائم. وأضاف أن هذا التقسيم لم يعد مجرد اقتراح لليمين المتطرف بل أصبح سياسة فعلية تهدف إلى الوصول إلى ما يسمى بالتقسيم المتساوي للأوقات بين المسلمين والمستوطنين. وأكد أن ذلك سيثير غضباً متصاعداً في الشارع الفلسطيني ويدفع الشباب المقدسي إلى مزيد من المرابطة والدفاع عن مسجدهم.
وأضاف أن إفراغ المسجد من رواده سيستمر رغم عودة المصلين، إذ تستمر القيود المشددة عند الأبواب ومنع الشبان، في إطار مخطط تدريجي لتفريغ المسجد الأقصى من رواده. وأشار إلى أن هذا التفريغ يمهد لسيناريوهات أوسع قد تصل إلى تحويله إلى منطقة عسكرية مغلقة تحت مسمى زيارات سياحية منظمة. وقال إن القرار يعد اختباراً مباشراً لتحدي الوصاية الهاشمية والموقف العربي، وأكد أنه إذا لم يقابل هذا التصعيد بموقف سياسي ودبلوماسي عربي وإسلامي ودولي حازم، فسوف تكون الرسالة أن الاحتلال قادر على تغيير الوقائع على الأرض بلا ثمن، ما سيشجعه على المضي قدماً في مخطط أوسع لإعادة تشكيل معالم المدينة المقدسة.
صراع الهوية
وأوضح شاهين أن ما يحدث في الأقصى ليس مجرد فتح وإغلاق للأبواب بل صراع هوية ووجود. وأكد أن الاحتلال يريد القول إنه صاحب الكلمة العليا وقادر على إدارة المكان والزمان المقدسيين كما يشاء. وأضاف أن وسط هذا المشهد، يبقى للمقاومة الشعبية والصمود المقدسي كلمتهما الفصل. وأشار إلى أن كل مصل يصر على أداء صلاة الفجر رغم الحواجز، وكل شاب يتمسك بالمرابطة رغم القيود، وكل موظف في الأوقاف يؤدي واجبه رغم إذلال الاحتلال، يكتب بفعله سطراً جديداً في ملحمة الدفاع عن أولى القبلتين وثالث الحرمين. وأكد أن هؤلاء هم حراس الهوية الحقيقيون الذين يثبتون بعرقهم ودمائهم أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن الأقصى سيبقى إسلامياً عربياً فلسطينياً مهما طال زمن الغاصبين.