في الوقت الذي ينتظر فيه أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة بصيص أمل لإنهاء سياسة التجويع الممنهجة، اختار نيكولاي ميلادينوف، المسؤول في "مجلس السلام"، أن يطل عبر منصة "إكس" بتغريدة أثارت عاصفة من الغضب والاتهامات بالتضليل.
التغريدة التي زعم فيها ميلادينوف وصول "602 شاحنة" في يوم واحد، لم تكن مجرد خطأ إحصائي في نظر الغزيين، بل وُصفت بأنها "غطاء سياسي" لاستمرار الحصار.
وبينما كان ميلادينوف يحتفي بما أسماه "الوصول الموسع" للإمدادات في 9 أبريل 2026، كانت البيانات الميدانية والتقارير الصادرة عن المعابر ترسم صورة مغايرة تماماً.
فحسب الإحصائيات الدقيقة لحركة الشاحنات، لم يدخل القطاع سوى 207 شاحنة فقط، أي بنسبة خطأ (أو تضليل) تجاوزت الـ 200% عما ذكره المسؤول الدولي.
والأدهى من ذلك، أن تفاصيل هذه الشاحنات تكشف عمق الأزمة؛ فمن أصل الـ 207 شاحنة، كانت هناك 79 شاحنة فقط مخصصة للمساعدات الإغاثية، بينما الغالبية العظمى (128 شاحنة) هي بضائع تجارية تخضع لأسعار السوق المرتفعة التي لا يقوى عليها المواطن المنهك.
المكتب الإعلامي الحكومي: "تزييف للواقع"
لم يتأخر الرد الرسمي من قلب غزة، حيث أصدر المكتب الإعلامي الحكومي بياناً فند فيه ادعاءات ميلادينوف جملة وتفصيلاً.
ووصف البيان تصريحات ميلادينوف بأنها "عارية عن الصحة وتفتقر للدقة والمصداقية"، مؤكداً أن نسبة الالتزام بإدخال الشاحنات منذ بدء وقف إطلاق النار لم تتجاوز 38% فقط من الكميات المتفق عليها. وتساءل البيان باستنكار: "أين ما يُسمى بـ مجلس السلام من خروقات الاحتلال اليومية؟ ولماذا يصمت أمام الكارثة الإنسانية المتفاقمة؟".
ثورة "إكس": رامي عبده ونشطاء يواجهون ميلادينوف
تحت تغريدة ميلادينوف، انفجر بركان من التعليقات التي لم تخلُ من اتهامات قاسية بالعمالة والتواطؤ. كان أبرزها تعليق الدكتور رامي عبده، الذي واجه ميلادينوف بحقائق الميدان قائلاً: "أكاذيب.. اليوم دخلت 207 شاحنات فقط، منها 79 مساعدات. هذا لا يلبي حتى ربع احتياجات يوم واحد".
وأضاف عبده بلهجة حادة أن ميلادينوف "أصبح جزءاً من آلة الخداع والمعلومات المضللة الإجرامية التي يجب إزالتها من منصبها".
ولم يتوقف الهجوم عند هذا الحد، فقد وصفت الناشطة رحاب الطحلاوي ميلادينوف بـ "الكاذب"، مشيرة إلى مفارقة مؤلمة: "يدعي دخول المساعدات بينما يسمح بوعي كامل بمنع حتى أصغر أغراض الصرف الصحي الأساسية كالمراحيض.. إنه شخصية مخادعة وأداة في يد نتنياهو".
وهو ذات الموقف الذي تبناه المغرد أحمد درويش الذي اعتبر تصرفات ميلادينوف "مستحقة للازدراء".
التعليقات لم تقتصر على اللغة العربية، بل امتدت بالإنجليزية لتخاطب المجتمع الدولي. فقد وصفه المغرد عبد العزيز اليافعي بـ "الكاذب والجاهل والمرتزق"، بينما خاطبه "عدي" (odai) واصفاً إياه بـ "المجرم والخادع الذي يخدم كيان الفصل العنصري".
أما حساب "الغزاوي الجلاد"، فقد لخص المشهد بالقول: "كفى من أكاذيبك أيها المجرم المنافق.. القصف مستمر، والاحتلال لم ينسحب، و90% من السلع الأساسية وأدوات النظافة والكهرباء محظورة من الدخول".
دلالات "تضليل" ميلادينوف
ويرى مراقبون أن إصرار ميلادينوف على تضخيم الأرقام (602 شاحنة مقابل 207 فعلياً) ليس مجرد هفوة، بل هو محاولة لتجميل صورة "مجلس السلام" و"اللجنة الوطنية للمساعدات" (NCAG) وإظهار نجاح وهمي لاتفاقيات وقف إطلاق النار.
هذا التزييف للحقائق، حسب تعليقات الغزيين، يساهم في شرعنة الحصار ومنح المجتمع الدولي انطباعاً زائفاً بأن الأزمة الإنسانية في طريقها للحل، بينما الواقع يتحدث عن دخول شاحنة "نايلون" وشاحنة "فحم" في وقت تشتد فيه الحاجة للأدوية التي لم يدخل منها سوى 3 شاحنات تجارية و5 شاحنات مساعدات فقط لكامل القطاع.
وتبقى تغريدة ميلادينوف والردود عليها وثيقة تاريخية على الفجوة بين "دبلوماسية الأرقام" و"واقع الميدان"؛ حيث يواصل الغزيون كشف "زيف الوعود الدولية" في معركة لا تنتهي من أجل لقمة العيش والكرامة.