يرى مختصون في شؤون القدس أن إعادة فتح المسجد الأقصى بعد إغلاق استمر أربعين يومًا لا يمكن فهمها بوصفها عودة طبيعية للعبادة، بل كجزء من سياسة أوسع لإعادة تشكيل السيطرة على المكان. فبحسب تقديراتهم، فإن ما جرى يكشف عن تحوّل واضح في طبيعة إدارة المسجد، حيث لم يعد الاحتلال يكتفي بالإغلاق، بل بات يوظف قرار “الفتح” نفسه كأداة للضبط والتحكم، بما يسمح له بفرض شروطه على من يدخل ومن يُمنع، ومتى وكيف تتم الصلاة.
هذا “الفتح المشروط” ظهر بشكل جلي في الساعات الأولى، إذ لم تمضِ فترة قصيرة على انتهاء صلاة الفجر حتى تعرّض المصلون للقمع والإبعاد من ساحات المسجد، في خطوة مهّدت لإفساح المجال أمام اقتحامات واسعة للمستوطنين، الذين أدّوا طقوسًا علنية داخل الأقصى، من بينها النفخ في الأبواق والانبطاح في ساحاته.
ويشير مختصون إلى أن هذا النمط يعكس انتقالًا من مجرد السماح بالاقتحامات إلى تنظيمها وتكريسها ضمن جدول زمني محمي، في مقابل تقييد الوجود الإسلامي داخل المسجد.
وفي السياق ذاته، تؤكد مؤسسة القدس الدولية أن تحكّم سلطات الاحتلال بقرار فتح وإغلاق الأقصى يمثّل تهميشًا مباشرًا للدور التاريخي لـدائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، ويندرج ضمن مسار ممتد يهدف إلى سحب صلاحياتها تدريجيًا، تمهيدًا لفرض سيادة كاملة على المسجد. وتربط المؤسسة هذه الخطوات بسلسلة إجراءات بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتطورت عبر محطات متعددة، وصولًا إلى التحكم المباشر في مفاصل إدارة المسجد.
واقعٌ ميداني
المشهد الميداني الذي تلا إعادة الفتح لم يخرج عن هذا الإطار التحليلي، بل قدّم دلائل ملموسة عليه. فبعد إخلاء الساحات من المصلين، اقتحم مئات المستوطنين المسجد على شكل مجموعات متتالية، وأدّوا طقوسًا جماعية تحت حماية مباشرة من قوات الاحتلال، التي مددت بدورها مدة الاقتحامات إلى ساعات طويلة، في مؤشر واضح على تعميق ما يُعرف بالتقسيم الزماني داخل الأقصى.
هذا الواقع لم يقتصر على لحظة الاقتحام، بل انعكس أيضًا في الانتشار المكثف للدوريات المسلحة داخل المسجد، والتي حضرت قبل خطبة الجمعة وأثناءها وخلال الصلاة، في سابقة لم تكن معهودة بهذا الشكل.
وفي قراءة لهذه التطورات، يشير الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص إلى أن ما يجري يمثل انتقالًا من السيطرة الأمنية إلى السيطرة الإدارية، حيث يجري تنصيب الشرطة الإسرائيلية كإدارة أمر واقع داخل المسجد، في مقابل تآكل دور الأوقاف الإسلامية. ويضيف أن هذا الحضور العسكري لم يعد يقتصر على المراقبة، بل امتد إلى التدخل المباشر في تفاصيل المشهد، من تنظيم حركة المصلين إلى فرض تغييرات على أماكن جلوسهم، وصولًا إلى فرض رقابة على خطبة الجمعة، بما يحد من تناول قضايا مثل العدوان على غزة.
مسارٌ ممتد
تجمع هذه المؤشرات، وفق ما يورده مختصون وتقارير حقوقية، على أن ما يحدث في الأقصى اليوم هو حلقة ضمن مسار طويل بدأ منذ عام 1982، ويهدف إلى إعادة تعريف هوية المسجد وفرض واقع جديد عليه. فقد شهدت العقود الماضية خطوات متدرجة شملت سحب صلاحيات الأوقاف، وفرض قيود على الإعمار، ومحاولات فرض التقسيم الزماني، وصولًا إلى التحكم المباشر في قرار فتح وإغلاق المسجد. وفي هذا السياق، يصبح “الفتح” نفسه جزءًا من منظومة السيطرة، لا نقيضًا لها.
كما أن هذه التطورات تترافق مع كسر معادلات تاريخية استقرت منذ عام 1967، حين كانت الصلاة في الأقصى تُقام دون وجود قوات الاحتلال داخله، وهي معادلة جرى تفكيكها تدريجيًا حتى انهارت بشكل واضح في السنوات الأخيرة.
ومع دخول قوات الاحتلال المسلحة يصبح وجود هذه القوات استثناءً، جزءًا من الواقع المفروض، بما يحمله من دلالات تتجاوز البعد الأمني إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المكان ورواده.
في المحصلة، يبدو المسجد الأقصى مفتوحًا من حيث الشكل، لكنه خاضع لمنظومة معقدة من القيود التي تعيد تعريف معنى الفتح ذاته، حيث لم يعد الأمر متعلقًا بإتاحة الوصول فقط، بل بمن يملك القرار في إدارة المكان، ومن يحدد شروط هذا الوصول. وبين الفتح والإغلاق، تتقدم خطوات فرض واقع جديد، في معركة تتجاوز حدود المكان لتطال هويته ومستقبله.