تتزايد التحذيرات الصادرة عن شخصيات علمية ومؤسسات دينية مختصة بشؤون المسجد الأقصى، من مسار متدرّج تصفه هذه الجهات بـ”الخطير”، يستهدف إعادة تشكيل الواقع القائم داخل المسجد، عبر سلسلة من الإجراءات التي تشمل التحكم بقرار فتحه وإغلاقه، وتكريس التقسيم الزماني والمكاني، وتهميش دور الأوقاف الإسلامية، وصولًا إلى محاولات تغيير المرجعية الدينية والإدارية للمسجد.
في هذا السياق، يرى الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص أن تجربة إغلاق المسجد الأقصى لفترات طويلة، ثم إعادة فتحه بقرار من سلطات الاحتلال، تمثل “أداة سيادية ناعمة” تهدف إلى تكريس القدرة على التحكم الكامل بالمكان.
ويؤكد أن هذه السياسة لا يمكن فصلها عن مسار أوسع يسعى إلى فرض واقع جديد، بحيث يصبح فتح المسجد وإغلاقه خاضعًا بالكامل للاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، لا للمرجعية الدينية الإسلامية.
ويتقاطع هذا التحليل مع ما يطرحه الباحث المختص في شؤون الأقصى ناصر الهدمي، الذي يحذّر من أن انتقال صلاحية تحديد مواعيد الفتح والإغلاق إلى سلطات الاحتلال يعزز احتمالات تكرار الإغلاق لفترات أطول، بما يرسّخ تدريجيًا مفهوم “السيادة الفعلية” على المسجد.
من جانبها، أكدت هيئة علماء فلسطين أن صدور قرارات الإغلاق وإعادة الفتح من الجهة ذاتها يكرّس ادعاء السيادة، ويحوّل المسجد الأقصى إلى مساحة خاضعة بالكامل لإرادة الاحتلال، وهو ما يشكل تحولًا خطيرًا في طبيعة العلاقة مع هذا المعلم الديني.
التقسيم الزماني والمكاني: خطوات متدرجة نحو واقع جديد
وفي ما يتعلق بالتقسيم الزماني والمكاني، يحذر أستاذ دراسات بيت المقدس عبد الله معروف من أن توسيع ساعات الاقتحامات وتنظيم أوقات الدخول يمثلان خطوة تأسيسية لفرض التقسيم الزماني، يجري تمريرها تدريجيًا لإعادة تشكيل طبيعة استخدام المسجد.
ويشير إلى أن هذا التوسع في أوقات الاقتحام يعكس توجهًا نحو تكريس فكرة “التقسيم المتساوي” بين المسلمين والمستوطنين داخل المسجد، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات رابطة علماء فلسطين التي اعتبرت أن هذه الإجراءات تمثل محاولة واضحة لفرض واقع تقسيمي قد يتطور إلى أشكال أوسع مستقبلًا.
كما نبّه التجمع الوطني لعلماء ودعاة ومثقفي غزة إلى أن سياسة “الإغلاق ثم الفتح المشروط ثم تكثيف الاقتحامات” تمثل مسارًا متكاملًا لفرض واقع دائم داخل المسجد، قائم على إعادة تعريف من يملك حق الوصول والسيطرة.
تهميش الأوقاف وتحول الإدارة الميدانية
وفي محور آخر، تتزايد المخاوف من تهميش دور الأوقاف الإسلامية، التي تُعد الجهة المخوّلة تاريخيًا بإدارة شؤون المسجد. فقد حذّرت مؤسسة القدس الدولية من أن شرطة الاحتلال باتت تتصرف كإدارة أمر واقع داخل المسجد، بما يؤدي إلى سحب الصلاحيات تدريجيًا من الأوقاف.
ويرى معروف أن فرض قيود على عمل الأوقاف، بما في ذلك تحديد أعداد موظفيها، يمثل مؤشرًا واضحًا على محاولة إضعاف دورها وإعادة صياغة إدارة المسجد وفق ترتيبات جديدة. وهو ما يعززه تحذير الهدمي من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تقليص الدور الأردني المرتبط بالإشراف على الأوقاف، وتحويله إلى دور شكلي محدود التأثير.
تكثيف الاقتحامات وفرض الطقوس الدينية
وفي موازاة ذلك، يشهد المسجد الأقصى تصاعدًا في وتيرة الاقتحامات، التي تترافق مع أداء طقوس تلمودية داخل ساحاته، وهو ما يعتبره ابحيص محاولة لاستخدام الممارسات الدينية كأداة لفرض الهيمنة وإعادة تشكيل هوية المكان.
وأكدت مؤسسة القدس الدولية أن هذا التصاعد يعكس توجهًا نحو تحويل وجود المستوطنين داخل المسجد إلى حضور دائم ومنظم، في حين شددت رابطة علماء فلسطين على أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا مباشرًا لحرمة المسجد وتهديدًا لهويته الإسلامية.
استغلال الأزمات وتمرير تشريعات
وتشير تحليلات خبراء إلى أن فترات الحروب والأزمات تُستغل كفرصة لتمرير إجراءات متقدمة داخل المسجد، مستفيدة من انشغال الإقليم. ويؤكد معروف أن هذه الفترات تُستخدم كـ”مساحات اختبار” لفرض وقائع يصعب التراجع عنها لاحقًا.
كما حذّرت هيئة علماء المسلمين من أن استهداف المسجد في ظل هذه الظروف ينذر بتصعيد أوسع قد ينعكس على استقرار المنطقة.
وفي السياق التشريعي، يحذر معروف من تحركات قد تمهّد لنقل المرجعية الدينية للمسجد إلى جهات يهودية رسمية، وهو ما اعتبرته مؤسسة أمناء الأقصى محاولة لإعادة تعريف إدارة المسجد بعيدًا عن مرجعيته الإسلامية التاريخية.
مرحلة حاسمة تلوح في الأفق
في ضوء هذه التطورات، تتزايد المخاوف من دخول المسجد الأقصى مرحلة حاسمة، مع تراكم الإجراءات التي تشير إلى تسارع مسار السيطرة وإعادة التشكيل. وترى هيئة علماء فلسطين أن ما يجري يمثل انتقالًا إلى مرحلة أكثر خطورة تستهدف الهوية الدينية للمسجد ووظيفته.
بدورها، حذّرت مؤسسة القدس الدولية من أن المسجد الأقصى يمر بمرحلة “انكشاف خطير”، في ظل تراجع الحماية الفعلية، ما يزيد من احتمالات فرض واقع جديد يصعب تغييره لاحقًا.
وفي ظل هذه التحذيرات، يبقى المسجد الأقصى في قلب صراع متصاعد، تتداخل فيه الأبعاد الدينية والسياسية، وسط دعوات متزايدة لتحرك عاجل يحول دون ترسيخ وقائع جديدة على الأرض.