في قاعة عرضٍ هادئة في فرنسا، كانت غزة حاضرة بكل ضجيجها ووجعها عبر شاشةٍ كبيرة تنقل وجوهًا منهكة، كاميراتٍ ترتجف، وأصواتًا تحاول أن تبقى ثابتة وسط الانهيار.
هناك، خطف وثائقي "داخل غزة" (Inside Gaza) الجائزة الكبرى للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان فيغرا الدولي للأفلام الوثائقية، متقدّمًا على 57 عملًا تنافست في المسابقة الرسمية.
الفيلم، الذي يحمل توقيع المخرجة هيلين لام ترونغ، لا يروي الحرب من بعيد، بل من داخلها. يتابع أربعة صحافيين ومتعاونين مع وكالة فرانس برس في غزة، يوثّقون يومياتهم منذ السابع من أكتوبر 2023، في ظل حصارٍ لا يقتصر على الأرض، بل يمتد إلى الصورة نفسها، فمع منع دخول الصحافيين الأجانب إلى القطاع، أصبحت عدسات من هم في الداخل هي النافذة الوحيدة للعالم.
على امتداد 76 دقيقة، لا يقدّم الفيلم بطولاتٍ تقليدية، بل يلاحق تفاصيل صغيرة: صحافي يبحث عن إشارة إنترنت، وآخر يختبئ بين الأنقاض ليُكمل بثه، وثالث يروي الخبر عن مدينةٍ لم يعد يعرف إن كانت لا تزال موجودة كما عرفها.
هذا القرب الإنساني هو ما منحه أيضًا جائزة الجمهور، كأن المشاهدين لم يشاهدوا فيلمًا بقدر ما عاشوا تجربة.
لكن غزة لم تكن حاضرة في فيلمٍ واحد فقط. فقد ذهبت جائزة لجنة التحكيم الخاصة إلى "شظايا حرب" (Fragments de guerre) للمخرجة سولين شالفون فيوريتي، الذي ينسج شهادات نساء من قلب الحرب، من غزة إلى الضفة الغربية، حيث يتحول السرد إلى مساحة للبقاء، لا مجرد توثيق للألم.
أما وثائقي "غزة سلاح الجوع" (Gaza, l'arme de la faim) للمخرجين فاني موريل وجيريمي بير، فحصل على تنويه خاص، بعدما وثّق المجاعة التي طاولت أكثر من نصف مليون إنسان في القطاع، وفق تقارير إنسانية، مقدّمًا صورة أخرى للحرب: حربٌ تُخاض على بطون المدنيين.
وفي موازاة هذا الحضور الكثيف لغزة، امتدت الجوائز إلى أعمال أخرى تعيد التفكير في الذاكرة والعدالة. فقد نال فيلم "كاترين لوروا، فرنسية في حرب فيتنام" للمخرجة ماري كريستين غامبار جائزة “تير ديستوار إينا-فيغرا”، مستعيدًا سيرة واحدة من النساء القلائل اللواتي غطّين حرب فيتنام بين عامَي 1966 و1968، في زمنٍ لم يكن فيه حضور المرأة في خطوط النار أمرًا مألوفًا.
وفي زاوية أخرى من المهرجان، حيث تُروى القصص من “منظور آخر”، حصد فيلم "جيزال الاثنتان" (Les 2 Gisèle) للمخرجة جولييت غيرين جائزة الجمهور، مستعيدًا قضية وقعت عام 1978 في جنوب فرنسا، حين تحوّل نضال شابتين تعرضتا للاغتصاب إلى معركة قانونية أوسع. هناك، برز اسم المحامية جيزيل حليمي، التي دفعت باتجاه الاعتراف بالاغتصاب كجريمة جنائية، لا مجرد جنحة، في لحظة أعادت تعريف العدالة نفسها.
هكذا، لم يكن المهرجان مجرد منصة لعرض الأفلام، بل مساحة تتقاطع فيها الحروب، القديمة والجارية، مع الكاميرا والقانون والذاكرة. من غزة، حيث يُصارع الصحافيون للبقاء أحياء كي يرووا، إلى فيتنام، حيث حملت امرأة الكاميرا وسط المعركة، وصولًا إلى قاعات المحاكم في فرنسا، حيث تُنتزع العدالة بصعوبة—تتشكل خريطة واحدة، عنوانها أن السرد والكاميرا قد أصبحا ضرورة وسلاحا في مواجهة الظلم.