قائمة الموقع

“حين أُطفئت عيناه: حكاية أسير خرج من السجن بلا بصر”

2026-04-17T12:40:00+03:00
الرسالة نت - خاص

لم تكن الضربات التي انهالت على رأس محمود أبو الفول  مجرد تعذيب عابر، بل كانت لحظة فاصلة غيّرت حياته إلى الأبد. في غرفة ضيقة داخل معتقل “سدي تيمان”، ظل صوته يرتد بين الجدران دون أن يجد من يصغي إليه، بينما كان جسده المنهك يتلقى ضربات كرسي حديدي بلا توقف. وحين سقط أرضًا، لم يكن الألم وحده ما ينهشه، بل ذلك الإحساس الغامض بأن شيئًا ما ينطفئ داخله… حتى غاب الضوء تمامًا.
آخر ما بقي في ذاكرته صورة ضابط جامد الملامح، قبل أن تُسدل العتمة ستارها الأبدي على عينيه.
رحلة ألم بدأت قبل السجن
لم يكن فقدان البصر أول ما يخسره محمود  (30 عامًا). قبل سنوات، وتحديدًا في 2015، أصيب بشظايا صاروخ خلال تصعيد عسكري في غزة، لتتحول حياته منذ ذلك الحين إلى سلسلة من العمليات والعلاجات، انتهت ببتر قدمه اليسرى عام 2017.
سنوات من الانتظار حملت له بارقة أمل حين حصل على تحويلة طبية للعلاج خارج القطاع، لكن هذا الأمل انكسر عند حاجز بيت حانون، حيث اعتُقل وقضى نحو عامين في السجن، مثقلًا بإعاقته وظروف الاحتجاز القاسية.
وحين خرج، ظن أنه طوى الصفحة… غير أن الحرب أعادته إلى نقطة البداية.
من سرير العلاج إلى زنزانة التحقيق
في نهاية عام 2024، كان محمود داخل مستشفى كمال عدوان شمال غزة يتلقى العلاج، قبل أن تقتحم القوات الإسرائيلية المكان وتُجبر من فيه على الإخلاء سيرًا على الأقدام. لم يُمنح حتى فرصة اصطحاب عكازيه، فوجد نفسه يقطع المسافة متكئًا على جسده المنهك.
تلك اللحظة كانت بداية فصل جديد، انتهى باعتقاله ونقله إلى معتقل اشتهر بقسوته، حيث لم تشفع له إعاقته أمام آلة التعذيب.
داخل المعتقل، لم يستغرق الأمر طويلًا قبل أن يدخل محمود جولة تحقيق عنيفة. سُحب من شعره، وارتطم رأسه بالحائط، قبل أن يُضرب بكرسي حديدي حتى فقد وعيه.
وعندما استعاد إدراكه، لم يعد العالم كما كان. كانت الصور تتلاشى تدريجيًا، كأنها تُمحى من ذاكرته، إلى أن اختفت تمامًا. خلال ساعات، تحول من شاب يرى إلى إنسان يعيش في ظلام كامل.
ورغم إدراكه خطورة ما حدث، لم يجد استجابة لنداءاته المتكررة بعرضه على طبيب. وحين نُقل أخيرًا، لم يكن ذلك إلا محطة أخرى للإهانة؛ سخرية، ووعود فارغة، وقطرات لا تغيّر شيئًا.
العلاج المؤجل
تفاقمت حالته، وأصبحت عيناه عاجزتين حتى عن الانفتاح، بينما كانت الالتهابات تزداد وضوحًا. ومع ذلك، ظل الإهمال سيد الموقف.
اختار محمود أن يحتج بالصمت والجوع، فكان الرد أكثر قسوة؛ صعق بالكهرباء وتهديدات بكسر إضرابه بالقوة. وعلى مدار شهور، لم يتلق سوى الحد الأدنى من المسكنات، بينما ظل بصره غائبًا بلا رجعة.
نُقل لاحقًا بين السجون، دون أن يتغير شيء في واقعه. بقدم واحدة ومن دون وسائل مساعدة، كان يسقط مرارًا، يصطدم بالجدران، ويتلمس طريقه في عتمة مزدوجة: عتمة المكان، وعتمة العينين.
وفي خضم ذلك، انقطعت أخباره عن عائلته في شمال غزة، وبقي معلقًا بين خوفين: فقدانهم، وفقدان نفسه.
العودة… دون أن يرى الطريق
حين أُبلغ بقرار الإفراج عنه، لم يدرك في البداية أن الرحلة انتهت. خرج من المعتقل، لكنه لم يستعد شيئًا مما فقده. عاد إلى غزة، لكن هذه المرة دون أن يرى ملامحها.
في مستشفى ناصر، وقفت والدته أمامه، تنتظر أن يلتقي نظرهما كما في كل مرة… لكنه لم يعد قادرًا على رؤيتها. كان اللقاء قاسيًا، صامتًا، ومثقلًا بصدمة لا يمكن احتواؤها.
تقول والدته إن وجعه لم يكن في فقدان قدمه، بل في عودته بلا عينين، وكأن الحرب لم تترك له شيئًا.
قصة محمود ليست سوى وجه من وجوه معاناة أوسع يعيشها آلاف الأسرى الفلسطينيين، حيث تتقاطع الإعاقة مع الإهمال، والتعذيب مع الحرمان من العلاج.
خلف الأرقام الكبيرة، تختبئ حكايات إنسانية ثقيلة، تشبه حكاية محمود: إنسان دخل السجن بجسد منهك… وخرج منه فاقدًا لما تبقى منه.
لم تكن العتمة التي غمرت عينيه هي الخسارة الوحيدة، بل ذلك الإحساس بأن العالم نفسه أصبح أبعد من أن يُرى.

اخبار ذات صلة