خاص- الرسالة نت
عُرف بعنفوانه رجلًا عصيًّا على الانكسار. جابت صورته شرق الأرض وغربها، وفي لحظة من اللحظات كاد يكون الرجل الأشهر على شاشات التلفزيون وفي مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن ما لم يراه العالم عن أبو عبيدة أيضًا أنه رجل يقف بجانب شعبه رغم ما يحمله من منصب وشهرة وظهور. نال منه الكثيرون، مثل كل قادة المقاومة، لكن الصورة التي نُشرت بالأمس كشفت وجهًا آخر: رجلًا ينخرط بين الناس، يرحل معهم، يجوع معهم، ويتألم كما تألموا. رجل خسر أكثر من 30 كيلوغرامًا من وزنه خلال المجاعة التي ضربت غزة، لكنه لم يخسر ثباته.
وبالأمس في صباح التاسع عشر من نيسان/أبريل 2026، انتشرت صورة أرشيفية للشهيد حذيفة الكحلوت، المعروف باسم أبو عبيدة، انتشارًا واسعًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن نشرها نجله إبراهيم على حسابه في إنستغرام.
لم تكن الصورة عادية؛ فقد أظهرت ملامح رجل أنهكته الحرب، وأثقلته المجاعة التي ضربت قطاع غزة، حتى بدا جسده نحيلًا على نحو لافت.
كتب الابن كلمات مقتضبة لكنها موجعة: إن هذه الصورة لوالده لم تُنهكه السنون، بل أنهكته الحرب والجوع الذي اختار أن يعيشه مع شعبه، لا فوقهم. كلمات أعادت تعريف الصورة، ليست مجرد لقطة، بل شهادة إنسانية على خيارٍ واعٍ بالمشاركة في الألم.
لاحقًا، أضاف شقيقه أسيد الكحلوت شهادة أخرى، مشيرًا إلى أن أخاه فقد أكثر من 30 كيلوغرامًا من وزنه خلال فترات المجاعة، وأنه كان يحمل هموم الناس؛ حتى أثقله ذلك نفسيًا وجسديًا.
بين كلمتي الابن والأخ، تكوّنت صورة أكثر عمقًا: رجل لم يكن بعيدًا عن المعاناة التي يتحدث عنها، بل غارقًا فيها.
الصورة، رغم كونها أرشيفية، أثارت تفاعلًا واسعًا. رأى كثيرون أن ملامح النحول تختزل واقع المجاعة التي عاشها سكان غزة، وأن الجسد الهزيل ليس إلا انعكاسًا لسنوات من الحصار والحرب. لم يعد الأمر متعلقًا بشخص واحد، بل بصورة أوسع عن شعب بأكمله.
في تعليقات المتابعين، تكررت الإشارة إلى ظهوره الأخير، حيث بدت نبرة صوته أكثر إرهاقًا، وعيناه مثقلتين بالتعب. بعضهم رأى في صوته عتبًا أكثر من كونه خطابًا، وآخرون اعتبروا أن ما بدا “انكسارًا” لم يكن إلا ثقل الانتظار وطول المعاناة.
ورغم أن اللثام الذي اعتاد الظهور به كان يخفي ملامحه، إلا أن آثار النحول بدت واضحة حتى من خلفه، في مفارقة لافتة بين صورة القائد الصلب، وجسد أنهكته الظروف القاسية.
تحوّلت الصورة سريعًا إلى رمز. حيث تختلط البطولة بالألم، والصمود بالجوع، والظهور الإعلامي بالحياة اليومية القاسية التي لا تُرى.
وقد أعلنت كتائب القسام رسميًا عن استشهاد المتحدث الرسمي باسمها حذيفة الكحلوت أبو عبيدة بتاريخ 29 ديسمبر 2025 ليأتي الخبر كخاتمة موجعة لمسار رجلٍ ظل حاضرًا بصوته وصورته حتى اللحظة الأخيرة.